عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

66

معارج التفكر ودقائق التدبر

قول اللّه تعالى : فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 ) : لم يقل سليمان عليه السّلام في خطبته الّتي سبق شرح قضاياها : أوتينا منطق الطّير وغيرها من الحيوانات ، بل اقتصر على « منطق الطّير » . واتجهت آراء المفسّرين إلى أنّه سمع قول النّملة وفهم منطقها ، ولكنّ النّصّ ليس بصريح في هذا ، بلّ يمكن حمله على أنّ الوحي أبلغه قولها ، فتبسّم ضاحكا منه ، فالعبارة على تقدير : فعلم عن طريق الوحي قولها فتبسّم . الضّحك : هو في اللّغة انفراج الشّفتين عمّا في داخل الفم ، وله درجات بعضها أشّدّ من بعض ، وقد يكون مصحوبا بصوت خفيف أو شديد ، ويثير الضّحك سرور أو إعجاب ، أو استهزاء وسخرية أو غير ذلك . التّبسّم : من درجات الضّحك الخفيفة ، الّذي لا يكون مصحوبا بصوت ، وهو من آداب الكبراء العقلاء الرّازنين ، الّذين لا تستخفّهم السّارّات والمعجبات ، بل يعبّرون عن سرورهم وإعجابهم بالتّبسّم . ولهذا ثبت في شمائل الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ ضحكه قد كان تبسّما ، فهو لا يكون مصحوبا بصوت قهقهة ولو كان خفيفا . وأبان هذا النّص أنّ سليمان عليه السّلام ضحك من درجة التّبسّم ، فلم يكن ضحكه مصحوبا بصوت قهقهة . ولمّا كان انفراج الشّفتين عما في داخل الفم قد لا يكون تبسّما من ضحك مسرّة أو إعجاب ، جاءت كلمة « ضاحكا » قيدا لازما ، فهي « حال » كاشفة للمراد بالتبسّم ، أي : هو تبسّم من الضّحك . مِنْ قَوْلِها أي : ممّا دلّ عليه قولها ، فقد دلّ على إدراكها لما