عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
57
معارج التفكر ودقائق التدبر
وروى النسائي في السّنن الكبرى في أوائل الفرائض ، أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » « 1 » . وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ : أي : وقال سليمان : يا أيها الناس ، والظاهر أنّ هذا القول جاء في خطبة ملكيّة خطبها ، جاء فيها بيان ثلاث قضايا : القضيّة الأولى : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ حكاية عنه : عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ . منطق : مصدر « نطق » يقال لغة : « نطق ينطق نطقا ، ونطقا ، ومنطقا » أي : تكلّم ، بإحداث أصوات ليدلّ بها على ما في نفسه من أحاسيس أو معان . والمنطق : الكلام الّذي يكون بالنّطق ، ويعبّر عمّا في النفس ضمن أصوات فطرية ، أو كلمات لغويّة متعارف على دلالاتها . الطّير : جمع « طائر » ويجمع أيضا على « أطيار » و « طيور » والطائر من الحيوان كلّ ما يطير في الهواء بجناحين فأكثر . وقد دلّ هذا البيان على أنّ للطّيور منطقا تعبّر به عمّا في أنفسها من أحاسيس ومشاعر ورغبات في حدود إدراكاتها للمعاني . وقد أعطى اللّه عزّ وجلّ سليمان علم منطق الطّير ، فكان عليه السّلام يفهم من تقاطيع أصواتها ما تعبّر به عمّا في نفوسها ، وكان يخاطبها بمثل أصواتها فتفهم عنه حديثه لها . وقوله عليه السّلام : عُلِّمْنا بنون الجمع يحتمل احتمالين فيما أرى :
--> ( 1 ) عن تلخيص الحبير ج 3 ص 100 وفيه : « وإسناده على شرط مسلم » .