عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
53
معارج التفكر ودقائق التدبر
تمهيد : يشتمل هذا الدرس على حديث يتعلّق بداود وولده سليمان عليهما السّلام ، وما آتاهما اللّه عزّ وجلّ من فضله ممّا امتنّ به عليهما ، توطئة لبيان بعض ما اختصّ اللّه به سليمان عليه السّلام ، ولبيان أحداث ذات شأن من تاريخه ، لم تأت في النّصوص الأخرى التي عرضت جوانب من قصة حياته . وفي عرض هذه الأحداث تربية للرّسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتربية لأصحابه الذين آمنوا به واتّبعوه ، وبيان لوجود قوى كونيّة خفيّة قد يسخّرها اللّه عزّ وجلّ بحكمته لمن يشاء من عباده . وفي عرض بعضها تهديد ضمنيّ لكبراء مشركي مكّة وما حولها ، بأنّ اللّه جلّ جلاله قد تقتضي حكمته أن يسخّر لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم قوى خفيّة يكون بها إهلاكهم ، وفيها ضرب على نزعة الاستكبار في نفوسهم ، رغبة في إقناعهم بأنّ ملكة سبأ ورجال ملكها الأشدّاء لم يمنعهم استكبارهم بملكهم وقوّتهم من أن يعترفوا بالحقّ ، ويؤمنوا به ، ويحموا بلادهم من قوّة سليمان القادرة على إذلالهم واستعبادهم وامتلاك كلّ ما لهم من ملك وسلطان ، فجاءوا إلى سليمان خاضعين مستسلمين . وكبراء مشركي مكّة يعلمون أنّه لم يكن لهم من المجد والسّلطان في مكّة ، مثل ما كان لملكة سبأ ورجال مملكتها من قوّة ومجد ومال كثير وسلطان ، فلا داعي للاستكبار الفارغ الصّاد لهم عن الحق ، وعن الإيمان به ، واتّباع النّبيّ الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيما جاءهم به عن ربّه ، فأوهامهم الاستكباريّة قد لا يحقّقون بها شيئا لأنفسهم ، بل ستسبّب لهم الذّلّ والخزي في الدّنيا ، والعذاب الأليم الخالد مع الذّلّ والخزي يوم الدّين . إلى غير ذلك من فوائد يشتمل عليها هذا الدرس .