عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

43

معارج التفكر ودقائق التدبر

موسى ، بعد أن ولّى مدبرا ولم يعقب ، خوفا من الحيّة العظيمة ذات الحركة السّريعة والاهتزاز المخيف ، فقال له : لا تَخَفْ أي : كن آمنا فلن يصيبك مكروه من هذا الثّعبان الذي يسعى ويهتزّ بقوّة ونشاط وسرعة حركة إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ : فدلّت هذه العبارة على أنّ ربّه قد اصطفاه بالنبوّة ، واصطفاه ليحمل رسالة منه ، وقد جاء هذان بأسلوب ذي دلالة غير مباشرة . لديّ : بمنزلة عندي ، ظرف زماني ومكاني ، إلّا أنه يدلّ على القرب أكثر من عندي فهو أخص منه . إِلَّا مَنْ ظَلَمَ : أي : باستثناء من ظلم بمخالفة لأمري أو نهيي ، فإنّه يخاف عقابي . لكنّ من يختاره اللّه ليكون رسولا ، لا بدّ أن يتوب ويبدّل عمله السّيّء ، فيجعل عملا حسنا مكانه ، فإنّ اللّه يغفر له ويرحمه ، دلّ على هذا قوله تعالى : . . ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ . ومعصية الّذي يصطفى للرّسالة ، قد تكون مخالفة من درجة من درجات مرتبة الإحسان ، أو درجة من درجات مرتبة البرّ ، ولا تكون مخالفة من درجة من درجات مرتبة التقوى ، فاللّه عزّ وجلّ قد يوجب على الأنبياء والمرسلين تكاليف زائدة على ما أوجب على غيرهم ، وهذه التكاليف تقع في درجات من مرتبة البرّ أو مرتبة الإحسان بالنّسبة إلى غيرهم ، كما فرض اللّه على رسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقوم من اللّيل يعبد ربّه ، بينما جعل هذا مندوبا إليه بالنسبة إلى سائر المؤمنين ، ومعاصي الرّسل هي من درجات مرتبتي الإحسان أو البرّ ، ولهذا آخذ اللّه عزّ وجلّ يونس عليه السّلام ، إذ ترك قومه مغاضبا ، ظانّا أنّ اللّه لن يضيّق عليه ، لكنّ رسولا بارّا محسنا مثله ، ما كان ينبغي له أن يعتمد على اجتهاد ظنّيّ ، بل كان يجب عليه أن ينتظر ما يتلاقاه عن ربّه وحيا .