عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

35

معارج التفكر ودقائق التدبر

ربّك . والمعنى أنّه لا كسب لك فيه إلّا التّلقّي من الوحي الذي يلقّيه إليك بعناية تامّة ، حرفا فحرفا ، وكلمة فكلمة ، وآية فآية . وجاء الفعل المضعّف للدّلالة على العناية البالغة في الإلقاء والتّلقي . يقال لغة : « تلقّى العلم عن فلان » أي : أخذه منه . و « تلقّى الشيء » أي : لقيه . مِنْ لَدُنْ : لدن : ظرف زمانيّ ومكانيّ بمنزلة « عند » إلّا أنّه أقرب من « عند » وأخصّ منه . وكلمة « لدن » ملازمة للإضافة فهي تجرّ ما بعدها بالإضافة . حَكِيمٍ : أي : عظيم الحكمة في كلّ ما يشاء ويختار . والحكيم في اللّغة هو الذي يضع الأشياء في مواضعها ، ويختار أفضل الأشياء وأتقنها وأحسنها في الأمور المختلفة لما يعطي أحسن النتائج . والحكيم : اسم من أسماء اللّه الحسنى . عَلِيمٍ : أي : واسع العلم الذي يحيط بكلّ شيء علما ، إذ هو هنا صفة من صفات اللّه عزّ وجلّ . والعليم : اسم من أسماء اللّه الحسنى . والمراد : أنّ القرآن الّذي تتلقّاه يا محمّد من لدن ربّك الحكيم العليم ، كلّ ما فيه حقّ وهدى وخير ، وأحكامه هي أفضل الأحكام وأحسنها ، وصياغته هي أتقن الصّياغات وأحكمها وأسماها . وهذه الصفات فيه شاهدات على أنّه تنزيل ربّاني ، وليس وضعا من كائن ما غير اللّه عزّ وجل ، ومتدبّر القرآن بأناة وعمق يجد هذا جليّا واضحا . والغرض من خطاب الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا البيان مع علمه به ،