عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
82
معارج التفكر ودقائق التدبر
إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً ( 35 ) : أي : إنّك كنت وما زلت ولن تزال بنا بصيرا ما دمنا في الوجود . وهذا يجعلنا نطمع بثوابك العظيم الذي تتفضّل به علينا ، مقابل قيامنا بتسبيحك كثيرا ، وذكرك كثيرا . إنّ صفات الأزليّ الأبديّ ذات كينونة دائمة ، فما كان منها هو كائن دواما . البصير : في إطلاقه على اللّه عزّ وجلّ يدلّ على أنّ اللّه بالغ الغاية العظمى في صفة الرّؤية ، وهي الّتي يرى فيها كلّ ما يمكن عقلا رؤيته ، مهما صغر أو كبر ، ومهما بعد أو قرب . هذه الأدعية الّتي دعا بها موسى ربّه في أولى مكالمة اللّه له بجانب جبل الطّور ، قد أجابه اللّه بشأنها : إذ كان الجواب الأخير من اللّه عزّ وجلّ لموسى عليه السّلام ، ما جاء بيانه في النّصّ الذي من سورة ( طه ) وهو قول اللّه تبارك وتعالى فيه : قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ( 36 ) : أي : قال اللّه عزّ وجلّ : قد أعطيناك كلّ ما سألتنا إيّاه يا موسى ، جاء فعل : [ أُوتِيتَ ] بصيغة المبني لما لم يسمّ فاعله ، ومن المعلوم البدهيّ الظاهر أنّ اللّه ربّه هو الذي آتاه سؤله . ودلالة العموم الّتي شملت كلّ مطالبه أفادتها إضافة السّؤل إلى ضمير المخاطب ، وهو موسى عليه السّلام . السّؤل : هو في اللّغة الشّيء الذي يطلب بالسؤال . وقد جاء في النّصّين الآخرين كما سبق بيانه ، ما يدلّ على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أتاه سؤله بشأن أخيه هارون ، وبشأن ما كان يتخوّف منه ، فجاء في نصّ سورة ( القصص ) قول اللّه سبحانه