عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

56

معارج التفكر ودقائق التدبر

إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ( 15 ) : أي : إنّ ساعة البعث للحياة الأخرى يوم الدّين ، آتية لا محالة ، لأنّها إحدى بنود خطّة الخلق الرّبّاني للمخلوقين في الحياة الدّنيا للابتلاء . وبما أنّ الخلق في الحياة الدّنيا للامتحان قد تحقّق ، وهو القسم الأوّل من حكمة الخلق ، فلا بدّ أن يتحقّق القسم الآخر من حكمة الخلق ، وهو الحياة الأخرى ، لتحقيق الحساب ، وفصل القضاء والجزاء . [ أَكادُ أُخْفِيها ] : اشتغل المفسّرون في فهم المراد بهذه العبارة ، وذهبوا في هذا مذاهب متعدّدة من التأويلات ، وأرى أنّها لا تحتاج إلى كلّ ذلك إذا فهمنا منها : أنّ اللّه عزّ وجلّ كاد يخفي الإخبار عن السّاعة كلّها ، لا عن وقت حدوثها فقط ، مكتفيا بالدّليل العقليّ الذي يدلّ عليها ، وهو الدليل المستند إلى حكمة اللّه عزّ وجلّ ، لكنّه جلّ جلاله لم يفعل ، بل أخبر عن قيام الساعة ، نظرا إلى أنّ الناس قلّما يهتدون إلى الدليل العقليّ الذي يدلّ عليها ، ما لم ينبّهوا عليها تنبيها مقترنا بالإخبار عن حدوثها ، وعمّا يكون بعدها ، فكان من الحكمة الإخبار عن السّاعة بصريح العبارة ، مع التّنبيه على الدليل العقلي الذي يدلّ عليها ، كقول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( التين / 95 مصحف / 28 نزول ) : فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ( 7 ) أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ( 8 ) . [ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ] : أي : لتجزى يوم الدّين كلّ نفس موضوعة في الحياة الدّنيا موضع الامتحان ، بما تسعى على تتابع الزّمن في هذه الحياة الدنيا . الجزاء : مقابلة العمل بما يلائمه من خير أو شرّ ، فيكون بمقابلة الحسنة بمثلها فما فوق تفضّلا ، وبمقابلة السّيّئة بمثلها فما دون تجاوزا وصفحا .