عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

36

معارج التفكر ودقائق التدبر

الحكمة الثانية : أنّ سطح الأرض وما تكشفه المحاريث والحفريّات منها داخل في عموم عبارة : [ وَما فِي الْأَرْضِ ] لأنّ أكثر النّاس يفهمون من الأرض ما هو مرئيّ منها ، ولا يفهمون من لفظ « الأرض » ما هو داخل في أعماقها حتّى مركز كرتها . فاقتضى البيان التّنبيه على هذا الباطن ، بعبارة : [ وَما تَحْتَ الثَّرى ] ، أي : وما تحت التراب النّديّ المبلول ، الّذي يهمّكم لزراعته واستنبات ما تحتاجونه لأنفسكم وأنعامكم ودوابّكم . وإذا كان كلّ ما في السّماوات والأرض وما بينهما وما في باطن الأرض ، داخلا في ملك اللّه عزّ وجلّ ، فلا بدّ أن يكون خاضعا لسلطان ملكه في كلّ التصاريف والتدبيرات . قول اللّه عزّ وجلّ : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ( 7 ) : [ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ ] : الجهر بالقول هو إعلانه برفع الصوت عند النّطق به . وفي استعمال « إن » الدّالّة على النّدرة ، إشارة إلى أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ربّما جهر ببعض دعائه ، من شدّة ما أصاب نفسه من ضيق ، بسبب عدم استجابة كبراء قومه لدعوته . [ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ] : السّرّ : هو ما حدّث به المحدّث غيره بمقدار ما يسمعه ، واستكتمه إيّاه ، حتّى لا يصل العلم به إلى غيره . والآراء الأخرى الّتي ذكرها بعض المفسّرين في تعريف السرّ يبطلها ما جاء في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( التحريم / 66 مصحف / 107 ) : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً . . . ( 3 ) .