ابن عربي

279

الفتوحات المكية ( ط . ج )

يقول الله - عز وجل ! - : * ( شَياطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوه ُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ) * - فجعلهم أهل افتراء على الله . وحدث فيما بينهما ، في الإنسان ، شيطان معنوي . وذلك أن شيطان الجن والإنس ، إذا ألقى من ألقى منهم في قلب الإنسان أمرا ما يبعده عن الله به ، فقد يلقى أمرا خاصا ، وهو خصوص مسألة بعينها ، وقد يلقى أمرا عاما ويتركه . فإن كان أمرا عاما ، فتح له في ذلك طريقا إلى أمور لا يفطن لها الجنى ولا الانسي ، تتفقه فيه النفس ، وتستنبط من تلك الشبه أمورا ، إذا تكلم بها تعلم منه إبليس الغواية ! ( 380 ) فتلك الوجوه التي تنفتح له في ذلك الأسلوب العام ، الذي ألقاه إليه أولا شيطان الانس أو شيطان الجن ، تسمى الشياطين المعنوية . لأن كل واحد من شياطين الإنس والجن يجهلون ذلك ، وما قصدوه على التعيين . وإنما أرادوا ، بالقصد الأول ، فتح هذا الباب عليه . لأنهم علموا أن في قوته وفطنته أن يدقق النظر فيه ، فينقدح له من المعاني المهلكة ما لا يقدر على ردها .