ابن عربي

241

الفتوحات المكية ( ط . ج )

الأخير ، إنما أعده لإقامة النشأة الآخرة عليه ، كما قامت النشأة الدنيا على الضعف ( الأول ) : * ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولى ( الجزع في الإنسان دليل افتقاره إلى الله ) ( 325 ) وإنما كان هذا ( في الإنسان ) ليلازم ذاته الذلة ، والافتقار ، وطلب المعونة ، والحاجة إلى خالقه . ومع هذا كله ، يذهل ( الإنسان ) عن أصله ، ويتيه بما عرض له من القوة . فيدعى ويقول : أنا ! ويمني نفسه بمقابلة الأهوال العظام . فإذا قرصه برغوث ، أظهر الجزع لوجود الألم ، وبادر لإزالة ذلك الضرر ، ولم يقر به قرار حتى يجده فيقتله . وما عسى أن يكون البرغوث حتى يعتنى به هذا الاعتناء ، ويزلزله عن مضجعه ، ولا يأخذه نوم ؟ فأين تلك الدعوى ، والاقدام على الأهوال العظام - وقد فضحته قرصة برغوث أو بعوضة - ( لمن ) هذا أصله ؟ ذلك ، ليعلم أن إقدامه على الأهوال العظام إنما هو بغيره ، لا بنفسه . وهو ما يؤيده الله به من ذلك ، كما قال : « وأيدناه » - أي قويناه . ولهذا شرع : « وإياك نستعين » في كل ركعة ، و « لا حول ولا قوة إلا بالله » !