ابن عربي

19

الفتوحات المكية ( ط . ج )

تصدير ها هو ذا السفر الثاني من كتاب « الفتوحات المكية » ! وما أشق الطريق ، وأسمى الغاية ، وكل من سار على الدرب وصل . وابن عربي مؤلف طويل النفس ، غزير المادة ، واسع المعرفة ، متشعب الأطراف ، خصب الخيال ، مسرف في مصطلحاته ، كثير الرموز والإشارات . لا ينفذ إليه إلا من عرفه عن قرب ، وعاش معه طويلا بحيث يستطيع الوقوف على أسراره ودقائقه . و « الفتوحات » أغزر ما كتب ، وأشمل ما ألف ، فتحقيقه مضن ، وإخراجه شاق . ولكنه يكشف ، دون نزاع ، عن كثير من جوانبه ، ويزيدنا قرباً منه . وفي هذا الفسر عود على بدء ، ومتابعة لقضايا أثيرت في السفر الأول من قبل . فيعود فيه ابن عربي إلى نظرية المعرفة ، ويعالجها من جوانب مختلفة . ويقف طويلا عند الرمز والتأويل ، وهو حديث تطيب له نفسه ، ويتلائم مع منهجه . وقد سبقه الصوفية إلى تأويلات خاصة بهم ، وهو في هذا مدين لهم ، ولكنه تفرد بتأويلات لا يدانيه فيها صوفي آخر . ويحاول في هذا السفر تأويل البسملة والفاتحة تأويلا عرفانياً ، ويقف عليهما باباً طويلاً ، ويذهب فيهما إلى دلالات لم يقل بها أحد سواه . ويعرض لموضوع جديد له شأنه في تاريخ الفكر الصوفي ، وهو نشأة الكون وتسلسل الكائنات . وهنا يجمع ابن عربي بين القصص الديني والفلسفات القديمة ، ويمزج الكسمولوجيا بالتعاليم الدينية ، ويتلقى مع الإسماعيلية وإخوان الصفا . وفي كل هذا تبدو غزارة مادته ، وتقبله لشتى المعلومات بصرف النظر عن أصولها ومصادرها . ونشأة الكون وثيقة الصلة عند الشيعة وفلسفوها ، وصورها ابن عربي تصويراً خاصاً على طريقته . تلك أمثلة مما عرض له من قضايا في هذا السفر الكبير ، وليس من اليسير حصرها ولا الوقوف عندها جميعاً ، وأنى لنا ذلك وقلم الشيخ سيال ، ومعانيه