علي بن عبد الكافي السبكي

603

فتاوى السبكي

غيرهم ونظير ذلك قولنا الله على كل شيء قدير إنا نعلم أن الله تعالى قادر على المعدوم والممكن وليس بشيء فإن المقصود بقولنا على كل شيء قدير التعميم في الأشياء الممكنة لا قصر الحكم وقوله تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس كذلك وفيه زيادة أخرى وهي تقديم قوله كافة على قوله للناس فإن ذلك أفاد أنه ليس المقصود حصر الرسالة في الناس حتى يكون التقدير وما أرسلناك إلى أحد إلا للناس هذا لم تنطق به الآية ولا أفهمته بل أشارت إلى خلافه بتقديم كافة وبالعدول في الناس عن إلى إلى اللام فصار مقصود الآية إثبات عموم الرسالة ونفي خصوصها فإن الرسالة أنواع منها خاص ومنها عام فصار التقدير وما أرسلناك من الرسالات إلا رسالة عامة كافة لجميع الناس فلا يتوهم أحد أنها خاصة ببعض الناس وحينئذ لا تعرض فيها للجن البتة وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم فكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة والكلام فيه كما سبق حرفا بحرف وقول السائل إن احتمال غير ذلك عدول عن الظاهر غير العدول عن الظاهر هذا كله إذا قلنا إن الناس لا يشمل الجن وهو الظاهر وقد قال بعض الناس إن اسم الناس قد يطلق على الجن فعلى هذا تكون الأدلة المذكورة لنا لا للسائل وقد قدمنا أن الحديث المذكور صح فيه لفظة الخلق موضع الناس وهي أعم وأن الحديثين مخرجهما مختلف وأحدهما خاص والأخر عام والعام والخاص إذا كانا اثنين لا يقضى بالخاص على العام بل يقضى بالعام على الخاص ويكون الآخر ذكر بعض أفراد العموم وذكر بعض أفراد العموم لا يقتضي تخصيصه على المذهب المنصور في الأصول الذي لم يخالف فيه إلا الشذوذ ( فصل ) قال السائل وثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لم ير النبي صلى الله عليه وسلم الجن ولا تلا عليهم القرآن أقول ليس ذلك في الصحيحين وإنما هو في صحيح مسلم كما قدمناه وهو بغير هذا اللفظ وإن كان قريبا من معناه ومسلم رواه صدر حديث ابن عباس وذكر عقيبه قصة الجن واستماعهم القرآن فأشعر بمراد ابن عباس أن النفي المراد به في تلك المرة فاقتطاع هذه اللفظة وروايتها عن ابن عباس حتى توهم انتفاء رؤية النبي صلى الله عليه وسلم