علي بن عبد الكافي السبكي

564

فتاوى السبكي

تعالى ينبغي للعبد أن يستعمله في الغرض الذي خلق لأجله ويعامله بتلك المعاملة المقصودة منه من الإكرام والإهانة وسائر ما دل خلقه والشريعة عليه ويضع كل شيء في موضعه فمعنى وضعه في غير موضعه لم يجز إلا أن يجيء إذن من الشارع في إباحة ذلك ألا ترى إلى ما ورد في الحديث الصحيح ساء رجل سوق بقرة فركبها فقالت إني لم أخلق لهذا فالبقرة لما خلقت للحرث ونحوه عاتبت راكبها وأنطقها الله تعالى بذلك وإذا قيل بجواز ركوب البقر فإما لدليل خاص وإما لأن الركوب من جملة الأغراض التي خلقت له وإن كانت الحراثة أغلب أغراضها فالحروف خلقها الله تعالى لينتظم منها كلامه سبحانه وتعالى وكلام رسوله وأنبيائه وملائكته عليهم السلام والأذكار وغير ذلك من الواجبات والمندوبات والمباحات ولا شك أن انتظام تلك الواجبات والمندوبات منها يقتضي إكرامها وتعظيمها ومهابتها وقد قال الفقهاء إن الورقة التي فيها اسم الله تعالى لا يجوز أن تجعل كاغدة يجعل فيها قصة ونحوها فالتحريم هنا لا شك فيه لأجل اسم الله تعالى فحيث لا يكون اسم الله ولكن حروف يمكن أن يركب منها اسم من أسماء الله أو غيره إن لم نقل بالتحريم لكان له وجه بالقياس عليه فإن الفرع لا يشترط فيه مساواة الأصل بل يكفي اشتراكهما في علة الحكم فإن قيل كما أن هذه الحروف ينتظم منها كلمات الكفر والقبائح قلت نعم ولكنها لم تخلق لها إنما خلقت للأول وكذلك جميع الأشياء خلقت لغرض ومكن الإنسان من استعمالها في ذلك الغرض وفي ضده فإن استعمله فيه كان قد وضع الشيء في موضعه وعدل وإن استعمله في غير موضعه فقد جار وقسط والجور والقسط ظلم وحرام بخلاف العدل والإقساط وقد كان بعض العلماء لا يمس الورق إلا على وضوء وإن كان الورق محتملا لأن يكتب فيه هذا وهذا لكن الذي خلق لأجله هو أن يكتب فيه القرآن والحديث والعلم النافع فيعظم لذلك فلو جاء إنسان يدوس ورقة عمدا وهي بياض وقد بلغه ما يجب من تعظيمها لا يمتنع أن يقال بالتحريم عليه فكذلك الحروف لا يجوز دوسها لمن بلغه ما ذكرناه من المعنى الذي خلقت له واحترزنا بذلك عن الجاهل فقد يعذر بجهله وكثير من