علي بن عبد الكافي السبكي
541
فتاوى السبكي
الأصحاب قالوا فيما إذا ادعى شخص على آخر عينا في يده فقال إنها لغائب فلم يصدقه فأقام بينة لتنصرف الخصومة فأقام المدعي بينة أنا ننزعها ونحكم بها للمدعي ويبقى الغائب على حجته حتى يجيء ويدعي ويقيم البينة لأنه لا يثبت حقه إلا بعد دعواه وبينته فكما راعينا حق المدعي وحكمنا له مع غلبة الظن بأنها للغائب كذلك نراعي حق صاحب الدين هنا ولا نؤخره لأجل الشك الحاصل من تعارض البينتين وأيضا فإن المسلم إذا أراد الحاكم أن يبيع ماله فشهد شاهدان في عين أنها لغائب لا يحكم القاضي بشهادتهما لأن الغائب لم يحضر هو ولا وكيله بل نقسمها بين الغرماء ويبقى الغائب على حجته كذا حكى هذه المسألة المحاملي في التجريد عن أبي إسحاق مستشهدا بها للمسألة التي قبلها ولم يحك فيها خلافا فكما حكمنا وقسمنا العين بين الغرماء مع غلبة الظن أنها للغائب رعاية لحقوقهم الناجزة ولم يلتفت للظن الحاصل من أخبار الشاهدين كذلك يراعى حق الغريم هنا ولا يلتفت للشك الحاصل من تعارض البينتين وتوهم زيادة تحصل للمديون فإن قلت لم لا يقيم القاضي عن الغائب من يدعي له ليثبت حقها ويحفظها له قلت وهب لو قيل بذلك لكن الأصحاب لم يقولوه فإن قلت في المسألة التي قبلها إذا سمعنا البينة لانصراف الخصومة لم لا يثبت حق الغائب تبعا وقد قالوا فيما إذا كان لشخص على آخر دين فطالبه به فقال إنك أحلت علي به فأنكر المدعي فأقام المدعى عليه بينة بالحوالة سمعت لرفع دعوى المدعي وهل يسمع لإثبات حق الغائب تبعا حتى لا يحتاج بعد حضوره إلى إقامتها وجهان لم يصحح الرافعي شيئا قلت الشهادة بالحوالة سمعت في موضوعها ومقصودها وهو اندفاع حق المدعي وحصل التردد في سماعها فيما يستتبعه من ثبوت حق الغائب وأما البينة لانصراف الخصومة فسمعت على أحد الأوجه في غير مقصودها وموضوعها لأنها إنما شهدت للغائب فسمعت فيما يستتبعه وهو انصراف الخصومة والبائع لا يستتبع وحق الغائب هو المشهود به الأصل لا يمكن ثبوته بغير دعواه أو دعوى وكيله فالمسألتان متعاكستان في الصورة .