علي بن عبد الكافي السبكي
512
فتاوى السبكي
قلنا إنها تتعين بالتعيين فكذلك والقائلون بأنها لا تتعين بالتعيين في العقود والفسوخ يقولون بتعيينها في الغصب والذي ذكره السائل من النص عند مالك في المدونة وأن ظاهرها أن للمغصوب أن يجبر المغصوب منه على أخذ مثل دراهمه مع بقائها فهو مستبعد عند المالكية ومع ذلك فيتعين أن يكون مأخذه أن الدراهم لا تتعين بالتعيين ومع ذلك فليس منطبقا على ما نحن فيه فإنا إذا قلنا إن الدراهم لا تتعين انقطع حق المغصوب منه عن عين تلك الدراهم المغصوبة والدراهم التي أخذها بدلها حلال وتصير هي في يد الغاصب حلالا له ولمن أخذهما منه بطريقه هذا مقتضى التفريع على عدم التعيين وهو بعيد جدا والمشهور عند جميع العلماء من جميع المذاهب في الغصب وخلافه وقد أطلق الذين صنفوا في الإجماع حكاية الاتفاق على أن من غصب شيئا أي شيء كان وكان باقيا بعينه لم يتغير أنه يرد وهذا أمر لا يقبل الخلاف أما في غير النقود فلا شبهة فيه وأما النقود ففيها الشبهة المتقدمة وهي ضعيفة فالحق التعيين وبقاء ذلك في يد الغاصب ومن قبضه منه بغير مستند على التحريم حتى يرد إلى صاحبه قال تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل والمال المغصوب كائنا ما كان مال المغصوب منه فمن أكله بغير سبب شرعي فقد أكل مال غيره بالباطل وقال الله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فإذا كانت الأمانات تجب تأديتها إلى أهلها فالمضمونات المأخوذة عدوانا بطريق أولى فكان النص دالا على رد العين إلى صاحبها ما دامت باقية وقال تعالى ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما قدم تعالى على عدم أداء الدينار المؤتمن عليه مطلقا وذلك ليشمل ما إذا أراد أو مثيله أو لا ولا نزاع في أن النقود وغيرها داخلة تحت اسم الأموال ويتعلق الملك بأعيانها وذلك معلوم بالضرورة ومن الدليل عليه قوله تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم الآيات فحكم بملكهم لما يخصهم من متروك الميت وذلك يشمل النقد وغيره وقوله تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة فلو لم يكن الذهب والفضة مملوكة لما كان متاع الحياة الدنيا وقوله تعالى ولا يحل لكم