علي بن عبد الكافي السبكي

476

فتاوى السبكي

قول الفقهاء إن العدو هو الذي يفرح بمساءة عدوه ويساء بمسرته وأقول في نفسي كيف يتفق هذا وإن الشخص تسوءه مسرة غيره ويسره مساءته من حيث هي فإني لا أجد في نفسي لأحد وأتعجب إن كان ذلك يقع لأحد نعم قد يتفق ذلك إذا كان لا يحصل للإنسان خير ولا يندفع عنه شر إلا بها فيحصل له ذلك ليتوصل به إلى خيره أو دفع ضره أما من حيث هو فلا ولا بد من تحقيق هذا فإن العداوة قد ورد بها القرآن قال الله تعالى إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا وقال تعالى لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء وقال تعالى إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم وقال تعالى وهم لكم عدو وقال النبي صلى الله عليه وسلم الحب في الله والبغض في الله فيجب علينا تحقيق ذلك والذي يظهر أن النفوس الطاهرة السليمة لا تبغض أحدا ولا تعاديه إلا بسبب إما واصل إليها أو إلى من تحبه أو يحبها أو توقع وصول ذلك فيحصل لها نفرة منه وينبو طبعها عنه ومن هذا الباب عداوتنا للكفار بسبب تعرضهم إلى من هو أحب إلينا من أنفسنا وعداوتنا لإبليس كذلك ولقصده أذانا وعداوتنا للحية والعقرب لتوقع الأذى منهما والعداوة هي النفرة الطبيعية الحاصلة من ذلك وليس من شرطها الفرح بالمساءة ولا بالمسرة ولا المساءة بالمسرة كما قاله الفقهاء ونحن نحب للكفار أن يؤمنوا ويهتدوا ونبغضهم لكفرهم بالله ونمتثل أمر الله في قتلهم وجهادهم والغرض أن النفوس الطاهرة لا تبغض أحدا إلا بسبب ولا يترتب على بغضها إياه إلا مجرد النفرة والاحتراس عن أذاه كما قال الله تعالى فاتخذوه عدوا أما قصد أذاه أو الفرح بذلك فلا نعم لا يبعد أن تكون نفوس خبيثة جبلت على الشر كالحية وإبليس من طبعها الأذى فيحصل لها هذه الحالة كما يحصل منها ذلك الفعل لمن لم يتقدم له إليها أذى فلعل في نوع الإنسان شيئا من ذلك والله أعلم لكني والله لا أجد ذلك في نفسي لأحد والناس عندي أقسام ( أحدها ) رجل له علي إحسان وإن قل فلا أنساه له أبدا وجربت نفسي في هذا مرات فيمن تقدم له إحسان ثم صدرت منه إساءة فأردت أن أنسخ ما حصل منه من الإحسان فأحسنت إليه نظير