علي بن عبد الكافي السبكي

388

فتاوى السبكي

فيمكن أهل الذمة من بناء كنيسة فيها فإن هذه في معنى الأمصار فتكون محل إجماع وتكون الألف واللام في القرى التي جرت عادتها بسكنهم فيها لاشتغالهم بأعمال المسلمين من الفلاحة وغيرها أو لما يرجى من إسلامهم صاغرين باذلين للجزية فإنا لو لم نبقهم في بلاد الإسلام لم يسمعوا محاسنه فلم يسلموا ولو بقيناهم بلا جزية ولا صغار غروا وأنفوا فبقيناهم بالجزية لا قصدا فيها بل في إسلامهم ولهذا إذا نزل عيسى عليه السلام لا يقبلها لأن مدة الدنيا التي يرجى إسلامهم فيها فرغت والحكم يزول بزوال علته فزال حكم قبول الجزية بزوال علته وهو اقتصار إسلامهم وذلك حكم من أحكام شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وليس حكما جديدا فإن عيسى عليه السلام إنما ينزل حاكما بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد أن كتبت هذا وقفت على شرح مجمع البحرين لابن الساعاتي من كتب الحنفية فقال وهذا المذكور إنما هو في الأمصار دون القرى لأن الأمصار محل إقامة الشعائر وقال صاحب الهداية والمروي في ديارنا يمنعون عن إظهار ذلك في القرى أيضا لأن لها بعض الشعائر والمروي عن صاحب الهداية رحمه الله في قرى الكوفة لأن أكثر أهلها أهل الذمة وفي أرض العرب يمنعون من ذلك في أمصارهم وقراهم وفي الكافي من كتب الحنفية لحافظ الدين قريب من ذلك . * ( باب الآثار في ذلك ) * أما عمر رضي الله عنه فسنفرد لشروطه بابا . وروى جماعة من العلماء أنه أمر بهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام وأمر أن لا يظهر صليب إلا كسر على ظهر صاحبه . وهذا الأثر في تاريخ دمشق لابن عساكر من رواية الحكم بن عبد الله بن خطاف وهو متروك عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر ومعناه متفق عليه بين العلماء كما قاله الطرطوشي في سراج الملوك فإن الكنائس الحادثة في الإسلام لا تبقى في الأمصار إجماعا ولا في القرى عند أكثر العلماء وقول أبي حنيفة بإبقائها في القرى بعيد لا دليل عليه ولعله أخذه من مفهوم قول ابن عباس الذي سنحكيه في المصر ونحن نقول إنما نعني بالمصر أي موضع كان مدينة أو قرية