علي بن عبد الكافي السبكي

378

فتاوى السبكي

الهدم ما قال التبقية فإن التبقية تستلزم فعل ما يقتضي البقاء كما في الغراس والبناء الذي يجب إبقاؤهما فلم يرد في البيع والكنائس مثل ذلك لأنا إنما نعتمد الأدلة الشرعية والدليل الشرعي في هذا النوع هو الذي ذكرناه فلا يتعدى وذكر ابن سعد في الطبقات في وفد نجران أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران فخرج وفدهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم نصارى منهم العاقب أميرهم وأبو الحارث أسقفهم والسيد صاحب رحلهم فدخلوا المسجد وعليهم ثياب الحبرة وأردية مكفوفة بالحرير فقاموا يصلون في المسجد نحو المشرق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنهم فلم يكلمهم فقال لهم عثمان ذلك من أجل زيكم هذا فانصرفوا ثم غدوا عليه بزي الرهبان فسلموا عليه فرد عليهم ودعاهم إلى الإسلام فأبوا وأكثروا الكلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أنكرتم ما أقول فهلم أباهلكم فامتنعوا من المباهلة وطلبوا الصلح فصالحهم على هذا وقال فيه على نفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم لا يغير أسقف من سقيفاه ولا راهب من رهبانيته فرجعوا إلى بلادهم فلم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما فأنزلهما دار أبي أيوب وأقام أهل نجران على ما كتب حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحمة الله ورضوانه ثم ولي أبو بكر فكتب بالوصاة بهم عند وفاته ثم أصابوا ربا فأخرجهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أرضهم وكتب لهم من سار منهم فإنه آمن بأمان الله لا يضرهم أحد من المسلمين وفاء لهم بما كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فمن وقعوا به من أمراء الشام وأمراء العراق فليوسقهم من جريب الأرض فما اعتملوا من ذلك فهو لهم صدقة بمكان أرضهم لا سبيل عليهم فيه لأحد ولا مغرم فمن حضرهم فلينصرهم على من ظلمهم فإنهم أقوام أهل ذمة وجزيتهم عنهم متروكة أربعة عشر شهرا بعد أن يقدموا فوقع ناس منهم بالعراق فنزلوا النجرانية التي بناحية الكوفة فانظر كم في هذه القصة من فائدة وتركهم لما وصلوا إلى المشرق ليس إحداث فعل من المسلمين تأنيس لهم رجاء إسلامهم