علي بن عبد الكافي السبكي
342
فتاوى السبكي
ولكن فضل الله واسع قد يرفع الصغير إلى درجة الكبير أو يدنيه منه تفضلا فالشهداء كلهم هذا والذين يأتي ذكرهم يشتركون في رؤية كرامة الله تعالى وفي حضور ملائكة الرضا لهم وإن اختلفت الأسباب لاشتراك الكل في الألم واليأس من الحياة لوارد على النفس مملك لها فلذلك ذكرنا الحد الذي ذكرناه في حقيقتها ليكون مشتركا بين الجميع فالحقيقة واحدة والقدر المشترك واحد والصورة مختلفة متفاوتة تفاوتا كثيرا أعلى وأدنى وأوسط وأما قوله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله الآية فليس مما نحن فيه لأمرين أحدهما أن ذلك في الهجرة لا في الجهاد والثاني أنه فيه وقوع الأجر لا الاسم ولو فرضنا أن شخصا خرج من بيته لقصد الجهاد في سبيل الله فمات في الطريق بغير سبب من أسباب القتال فقد وقع أجره على الله كما في المهاجر وهل هو كالمجاهد حقيقة أو دونه ليس هذا موضع الكلام فيه ولكن نقول فيه إنه لا يسمى شهيدا ولا أنه تحصل له هذه الحالة التي تحصل للشهيد من شهوده الكرامة قبل موته ونحوها لأن التسمية لم ترد فيه أو تسمى سنذكره بعد ذلك وإن قلنا بأنها للمقتول ظلما والمطعون والمبطون وغيرهم ممن يأتي ذكره ولورود النص بإطلاق الاسم ودع يكون الميت في طريق الجهاد أكثر أجرا إن ثبت ذلك فخواص الشهيد لا نثبتها إلا لمن ورد النص بإطلاقها عليه سواء أكان أكثر أجرا أم لا واعلم أن الوسائل لها حكم المقاصد ولكنها ليست في رتبتها فالمجاهد الذي قتل في سبيل الله له اسم الشهيد والخاصة الحاصلة له من تلك الحالة الشريفة والأجر الحاصل في الآخرة والذي خرج من بيته بهذه النية ومات قبل بلوغها يشاركه في أصل أجر الجهاد وفضل الشهادة بلا شك بالقياس وبالأولية الكلية العامة في ذلك وأما مساواته له في الأجر ففيه نظر قد يقال وقد يتوقف فيه ولا نجزم بالمنع لأن فضل الله واسع وأما وقوع اسم الشهيد عليه فالظاهر المنع لأن الأسماء لا تؤخذ بالقياس وأما ثبوت تلك الحالة له فالأمر فيها محتمل من باب الأجر المرتب وإن لم يحصل اسم سببها والكلام فيمن سأل الله الشهادة من قلبه صادقا