السيد علي الحسيني الميلاني

111

مع الأئمة الهداة في شرح الزيارة الجامعة الكبيرة

قلت : قد جاء إنّ اللَّه خلق الأرواح قبل الأجساد ، فقد تكون الإشارة بقوله : « كنت نبيّاً » إلى روحه الشريفة وإلى حقيقته ، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها ، وإنّما يعلمها خالقها ومن أمدّه بنور إلهي . ثمّ إن تلك الحقائق يؤتي اللَّه حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي شاء ، فحقيقة النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم قد تكون من قبل خلق آدم آتاها اللَّه ذلك الوصف ، بأن يكون خلقها متهيّئة لذلك ، وأفاضه عليها من ذلك الوقت ، فصار نبيّاً وكتب اسمه على العرش ، وأخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده ، فحقيقته موجودة من ذلك الوقت وإن تأخّر جسده الشريف المتّصف بها ، واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية ، وإنّما يتأخر البعث والتبليغ . وكلّ ماله من جهة اللَّه ومن تأهل ذاته الشريفة وحقيقته معجّل لا تأخير فيه . وكذلك استنباؤه وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوّة ، وإنّما المتأخر تكوّنه وتنقّله ، إلى أن ظهر صلّى اللَّه عليه وسلّم وغيره من أهل الكرامة ، وقد تكون إفاضة اللَّه تلك الكرامة عليه بعد وجوده بمدة كما يشاء سبحانه . ولا شكّ أنّ كلّما يقع ، فاللَّه عالم به من الأزل ، ونحن نعلم علمه بذلك بالأدلّة العقلية والشرعيّة ، ويعلم الناس منها ما يصل إليهم عند ظهوره كعلمهم نبوّة النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم حين نزل عليه القرآن في أوّل ما جاءه جبريل ، وهو فعل من أفعاله تعالى من جملة معلوماته ، ومن آثار قدرته وإرادته واختياره في محلّ خاصّ يتّصف بها ، فهاتان مرتبتان ، الأولى معلومة بالبرهان ، والثانية ظاهرة للعيان ، وبين المرتبتين وسائط من أفعاله تعالى تحدث على حسب اختياره ، منها ما يظهرلهم بعد ذلك ، ومنها ما يحصل به كمال لذلك المحلّ وإن لم يظهر لأحد من المخلوقين ، وذلك ينقسم إلى كمال يقارن ذلك المحلّ من حين خلقه ، وإلى كمال