مؤيد الدين الجندي

722

شرح فصوص الحكم

« 1 » والعرش وسع كلّ شيء والمستوي الرحمن فبحقيقته يكون سريان الرحمة في العالم ، كما قدّمنا « 2 » في غير موضع من هذا الكتاب ومن الفتوح المكَّي ، وقد جعل الطيب تعالى في هذا الالتحام النكاحى في براءة عائشة فقال : * ( الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ ) * « 3 » فجعل روائحهم طيّبة [ وأقوالهم صادقة ] لأنّ القول نفس وهو عين الرائحة ، فيخرج بالخبيث والطيّب على حسب ما يظهر به في صورة النطق ، فمن حيث [ هو إلهيّ بالأصالة كلَّه طيّب ، فهو طيّب ومن حيث ] ما يحمد ويذمّ ، فهو طيّب وخبيث ، فقال في خبث الثوم : « هي شجرة أكره ريحها » ولم يقل : أكرهها ، فالعين لا تكره وإنّما يكره ما يظهر منها ، والكراهة لذلك ، إمّا عرفا بملاءمة طبع « 4 » أو غرض أو شرع أو نقص عن كمال مطلوب ، وما ثمّ غير ما ذكرناه » . يشير - رضي الله عنه - إلى أنّه من حيث برزخيته الجامعة لمّا كان منفعلا عن عين العين الجامعة ببرزخيته وفعله وانفعاله ، ظهر - صلَّى الله عليه وسلَّم - بتحقّق العبدانية المنفعلة بالأصالة عن الربوبية الفعّالة المؤثّرة - ولم يظهر بالربوبية والسيادة ، فآتاه الله الفعل من عين العين ، فتساوى فيه طرفا الفعل والانفعال ، فكان قاب قوسي بحر الوجوب والإمكان بوجوده ، كما كان جامعا بين التعين واللا تعين برتبته ، وأوتي السيادة العظمى لما تحقّق بالعبودة الكاملة الكبرى ، فكان فاعليته في عالم الأنفاس لكونه أوتي جوامع الكلم ، وهي هيئات اجتماعية نفسية بحقائق الحروف كما علمت ، فلهذا حبّب الطيب إليه ، وتأخيره عن « النساء » - كشفا - من حيث إنّ النفس متأخّر عن الأصل والأمّ الذي هو المتعيّن الأوّل الذاتي ، وأوّل ما تعيّن وخرج من غير انتقال عن هذا الأمّ هو النفس الذي نفّس الله عن الحقائق كلَّها به ، فظهرت به ، فهو مسبوق

--> « 1 » الأعراف ( 7 ) الآية 156 . « 2 » في بعض النسخ : بيّنّاه . « 3 » النور ( 24 ) الآية 26 . « 4 » في بعض النسخ : وهو الصحيح - : « إمّا عرفا أو بعدم ملاءمة طبع . . . » .