مؤيد الدين الجندي
703
شرح فصوص الحكم
وأيضا في قوله : * ( وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ) * « 1 » فكان طالبا رضى الله ، ومحبّا لمحبّته إيّاه . وأيضا كان شهوده الغالب عليه في آخر أمره ، وكماله شهود الوحدة - التي هي عين الكثرة - خارجة عنها ، وشهود الكثرة في وحدة العين كثيرة ، ولذلك كان التجلَّي في الصورة النارية وهو النور ونور الوحدة الجمعية التي في نار التفرقة وكان متعلَّق نظره الفرق في الجمع ، ولهذا أوتي الفرقان ، وتجلَّى له نور الواحد في نار الكثرة وعين مطلوبه من الشجرة وهو صورة التفرقة التفصيلية الفرقانية بين المتشاجرات المتخالفات في عين الوفاق ، كاختلاف الشجرة بعضها الممتدّ من أصل شجرة أعيان العالم وهو ظلّ الله الممدود المتعيّن الظاهر بصورة العالم ، فانظر التفرقة في نظره إذ قال : * ( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) * « 2 » فأثبت إنّيّين اثنين ، وأضاف فعلين إلى فاعلين ، وأنت إذا قلَّبت أحواله وأقواله ، وجدت الفرقان والتمييز ، لهذا وقع التجلَّي له على التعيين في صورة النار من الشجرة كلاميّا فجمع له بين الكلام والشهود ، لكون الشهود مثاليا ، إذ لا يجمع بينهما في الشهود المعنوي الحقيقي ، لفناء الشاهد في المشهود حقيقة ، وكان شهود موسى عليه السّلام وصورة النار الشجرة « 3 » ممثّلا تمثّل له الواحد الأحد الحق في عين الكثرة ، وكذا الكلام ، لأنّ الشهود الحقيقي يقتضي فناء المتجلَّى له في المتجلَّي ، والتجلَّي وظهور المتجلَّي ببقائه في عين المتجلَّى له والتجلَّي بلا اثنينية في الإنّية ، بل وحدة بحتة ونور محض وحق صرف واحد أحد وحدته عينه فلا تجلَّي ولا متجلَّى له ، ولا كلام ولا مخاطب ، فإنّها تقتضي الفرقان والتمييز ، ولهذا اندكّ ظهور تعيّنه من طور أنانيّته وفني وخرّ صعقا لمّا بدا إنّيتي أجلى سواه وأفنى فشاهد العين منّا فكان في الكلّ عينا مشهودة العين عينا ، * ( وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) * « 4 » .
--> « 1 » طه ( 20 ) الآية 84 . « 2 » الأعراف ( 7 ) الآية 143 . « 3 » كذا في النسختين . والمراد : كان شهود موسى صورة النار من الشجرة ممثّلا . « 4 » الأحزاب ( 33 ) الآية 4 .