مؤيد الدين الجندي

692

شرح فصوص الحكم

وما بين الظاهر والباطن من التعينات الجامعة بين الأرواح والأجسام ، فإنّ المشرق للظهور ، والمغرب للبطون ، والحق هو الظاهر المتعيّن بجميع ما ظهر بإشراق نوره وإطلاق ظهوره ، وهو الباطن المتعيّن بجميع ما بطن في غيب عينه وعين حضوره ، وأهل التقييد والتحديد إمّا أن قيّدوه بالتشبيه بالأجسام الظاهرة ، فيقولون : إنّه جسم مطلق أو مقيد ، أو ينزّهوه فيحدّوه ويقيّدوه بتمييزه عن الأجسام وكانوا حينئذ في عين التشبيه بالعقول والمجرّدات مع تنزيههم العقلي في زعمهم والوهمي في نظر أهل التحقيق والكشف ، فلهذا قال : * ( إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) * أي أهل عقل وتقييد . قال - رضي الله عنه - : « وعلم موسى أنّ فرعون يعلم ذلك ، لكونه سأل عن الماهية ، فعلم أنّ سؤاله ليس على اصطلاح القدماء في السؤال ب « ما هو » [ لكونهم لا يجيزون السؤال عن ماهية ما لا حدّ له بجنس وفصل ، فلمّا علم موسى ذلك ] « 1 » أجاب ، فلو علم منه غير ذلك ، خطَّأه في السؤال ، فلمّا جعل موسى المسؤول عنه عين الكلّ « 2 » ، خاطبه فرعون بهذا اللسان الكشفي والقوم لا يشعرون ، فقال له : * ( لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ من الْمَسْجُونِينَ ) * « 3 » والسين في « السجن » من حروف الزوائد أي لأسترنّك ، فإنّك أجبت بما أيّدتني [ به ] أن أقول لك مثل هذا القول . فإن قلت لي : فقد جهلت يا فرعون بوعيدك إيّاي والعين واحدة ، فكيف فرّقت ؟ فيقول فرعون : إنّما فرّقت المراتب العين « 4 » ، ما تفرّقت العين ولا انقسمت في ذاتها ، ومرتبتي الآن الحكم « 5 » فيك يا موسى بالفعل ، وأنا أنت بالعين ، وغيرك بالرتبة ، فلمّا علم « 6 » ذلك موسى منه ، أعطاه حقّه في كونه يقول له : لا تقدر على ذلك ، والرتبة

--> « 1 » في نسخ الفصوص بدل ما بين المعقوفين : فلذلك . « 2 » في بعض النسخ : العالم . « 3 » الشعراء ( 26 ) الآية 29 . « 4 » في بعض النسخ : للعين . « 5 » في بعض النسخ : التحكّم . « 6 » في بعض النسخ : فهم .