مؤيد الدين الجندي
687
شرح فصوص الحكم
في العلم وتوفية الأدب [ الإلهيّ ] حقّه ، واتّصاف الخضر فيما اعترف به عند موسى ، حيث قال : أنا على علم علَّمنيه الله ، لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علَّمكه الله لا أعلمه أنا ، فكان هذا الإعلام من الخضر لموسى دواء لما جرحه به في قوله : * ( وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً ) * « 1 » مع علمه بعلوّ رتبته بالرسالة ، وليست تلك الرتبة للخضر ، فظهر ذلك في الأمّة المحمدية في إبار النخل ، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه : « أنتم أعلم بمصالح دنياكم » ولا شكّ أنّ العلم بالشيء خير من الجهل ، ولهذا مدح الله نفسه بأنّه بكل شيء عليم ، فقد اعترف صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه بأنّهم أعلم بمصالح الدنيا منه ، لكونه لا خبرة له بذلك ، فإنّه علم ذوق وتجربة ، ولم يتفرّغ صلَّى الله عليه وسلَّم لعلم ذلك ، بل كان شغله بالأهمّ فالأهم ، فقد نبّهتك على أدب عظيم تنتفع به إن استعملت نفسك فيه » . قال العبد - أيّده الله به - : اعلم : أنّ الخضر صلوات الله عليه صورة الاسم « الله » الباطن ، وله علوم الولاية والقرب والغيب ، وأسرار القدر ، وعلوم الهوية والإنيّة ، والعلوم اللدنّية والأسرار ، ولهذا محتد ذوقه الوهب والإيتاء ، قال الله - تعالى - : * ( فَوَجَدا عَبْداً من عِبادِنا آتَيْناه ُ رَحْمَةً من عِنْدِنا وَعَلَّمْناه ُ من لَدُنَّا عِلْماً ) * « 2 » وكما كان يشير إلى ذلك في كلماته الكاملات لموسى بقوله : * ( فَأَرادَ رَبُّكَ ) * « 3 » فوحد وعين إنية الربوبية ، وأخبر عن الإرادة الربانية الباطنة ، وقال : * ( فَأَرَدْتُ ) * « 4 » فعيّن وقيّد ، وأخبر عن تعيين علمه وتخصيص إرادته بعض ما في باطنه ، وقال : * ( فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْه ُ زَكاةً ) * « 5 » فجمع في الكناية ، وهو عين التوحيد وأحدية الإرادة والتصرّف والعلم عن ذوق وخبرة ، وكل ذلك إشارة منه صلَّى الله عليه إلى أسرار البطون والغيب وخفّيات
--> « 1 » الكهف ( 18 ) الآية 68 . « 2 » الكهف ( 18 ) الآية 65 . « 3 » الكهف ( 18 ) الآية 82 . « 4 » الكهف ( 18 ) الآية 79 . « 5 » الكهف ( 18 ) الآية 81 .