مؤيد الدين الجندي
685
شرح فصوص الحكم
الشيطانية التي تدعو إلى الشرّ ، وتسرع إلى الفساد والضرّ ، وتثبّط عن الخير بالضير ، وتمنع عن الصلاة والذكر ، وتأمر بتغليب القوى الطبيعية المزاجية على القوى الروحية العقلية التي كانت بنو إسرائيل صورها . وبين هذه القوى الانحرافية الشيطانية وبين القوى الروحية العقلية والقوى الإيمانية لزام وخصام وجدال ونضال لا فتور لها ، كما كانت المخاصمة والمعاداة بين آل فرعون وبين [ بني ] « 1 » إسرائيل حتى قتل القبطيّ بوكزة موسى ، وصورة الوكز نظير حجر العقل والحجر « 2 » وقهره لتلك القوّة بمعاونة قوّة الإيمان والفكر والذكر ، وقتله تعطيل تلك القوى الشيطانية بالكلَّية وتبطيل وجوده وشيطنته بسلطان الروح وبرهان العقل وتبيان في بعض النشآت الكمالية كنشأة موسى فيما نحن بصدد بيانه ، ولكن بعض المحقّقين من أهل الكمال لا يبطلونها ولا يعطَّلونها بالكلَّية ، ولكنّهم يسخّرونها ويستعملونها في المصارف المستحسنة الكمالية كما أشار إلى ذلك رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنّه مكَّن من أخذ العفريت ، وأشار أيضا إلى أنّ شيطانه أسلم ولا يأمره إلَّا بخير ، فيقلَّب هؤلاء الكمّل أعيان القوى ، الآمرة بالشرّ إلى أعيان القوى ، الامرة بالخير بالإكسير الكمالي الأحدي الجمعي ، الكاسرة لصور النقص والضير ، وهو من المشرب المحمّدي الختمي . وأمّا حبّه النجاة وفراره من الهلاك فإنّه مستحسن في الله ، فإنّ نفسه لله لا له ، كما قال : * ( إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ ) * « 3 » ونفوس الكمّل لله ، فيجب أن يحبّ كلّ منهم نجاته وحياته حبّا لله وفي الله ، فإنّ نفسه لله ، بل هو ظاهره وهو باطنه وهو عينه وهو هو من حيث تجلَّيه في حقيقته وعينه الثابتة ، والرجل الذي * ( جاءَ من أَقْصَا الْمَدِينَةِ ) * . . . * ( يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ من النَّاصِحِينَ ) * « 4 »
--> « 1 » أضيف بمقتضى السياق . « 2 » الظاهر زيادة الواو . « 3 » التوبة ( 9 ) الآية 111 . « 4 » القصص ( 28 ) الآية 20 .