مؤيد الدين الجندي

667

شرح فصوص الحكم

فينزل الكبير من رياسته إليه يلاعبه ويزقزق له ، ويظهر له بعقله ، فهو تحت تسخيره وهو لا يشعر ، ثم شغله بتربيته وحمايته وتفقّد مصالحه وتأنيسه ، حتى لا يضيق صدره ، هذا كلَّه من فعل الصغير بالكبير ، وذلك لقوّة المقام ، فإنّ الصغير حديث عهده « 1 » بربّه ، لأنّه حديث التكوين ، والكبير أبعد ، فمن كان من الله أقرب ، سخّر من كان من الله أبعد ، كخواصّ الملك للقرب « 2 » منه يسخّرون الأبعدين » . قال العبد : اعلم : أنّ القرب والبعد نسبتان للقريب والبعيد من الحق من المقامين الإلهيّين ، وعليهما تترتّب مراتب السعادات والولايات ، وكذلك الشقاوات ومحالّ البعد . المقام الأوّل : مقام الأحدية الإلهية ، فإنّ الكثرات كلَّها منها تنزّلت وتفصّلت وتعدّدت ، فمن كانت الوسائط بينه وبين الموجد الواحد الأحد أقلّ ، فهو أقرب ، وكذلك التعينات الأوّل - أوّل ما تظهر وتبدو - تكون قريبة من ربّها الذي [ هو ] « 3 » قيّامها ، وقيّوم « 4 » يقوم بإقامة صورته ، فيسخّر بمقامه من ربّه وموجده من ليس له هذا النوع من القرب الأوّلي في الظهور والحدوث ، كالصغار من الأولاد ، فإنّ الحق الظاهر المتعيّن في صورهم يسخّر لهم من طال مكثه في قبول التجلَّيات مدّة مديدة ، وله حكم آخر كمالي غير هذا القريب وهو الثاني ، وذلك هو القرب الحقيقي الذاتي الإلهي الكمالي من حيث الصورة الأحدية الجمعية الكمالية الإلهية الإنسانية ، فمن كانت نسبته من هذه الجمعية الكمالية أكمل وأتمّ ، فهو أقرب إلى الله من حيث أحدية جمع جمع الكمالات الذاتية والإلهية ، وقربه من الله أعظم وأعمّ وأوسع وأكمل وأتمّ ، فالكبير القريب من هذه المرتبة القريبة لكماله ينزل لتكميل ذلك القريب الأوّل من حداثة تعيّن المربوبية ، بإحداثه وإظهاره والتجلَّي له وبه وفيه ، اتّباعا للحق النازل إليه وإلى مربوبيته

--> « 1 » في بعض النسخ : حديث عهد بربّه . « 2 » في بعض نسخ الفصوص وفي م : المقرّب . والصحيح : المقرّبين . « 3 » أضيف لتصير الصلة جملة . « 4 » عطف على « ربّها » .