مؤيد الدين الجندي

659

شرح فصوص الحكم

الهوى ، كما قال : * ( أَفَرَأَيْتَ من اتَّخَذَ إِلهَه ُ هَواه ُ ) * « 1 » ، فهو أعظم معبود ، فإنّه لا يعبد شيء إلَّا به ، ولا يعبد هو إلَّا بذاته . وفيه أقول : « وحقّ الهوى إنّ الهوى سبب الهوى ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى » قال العبد : يشير - رضي الله عنه - إلى أنّ عبودتي التألَّه والتسخير لا تكونان من العابد لأيّ معبود كان إلَّا بهواه ، فما عبد إلَّا الهوى ، فهو الصنم والجبت والطاغوت الحقيقي لمن يرى غير الحق في الوجود . وأمّا عند العارف فهو أعظم تجلّ أو أعظم مجلى عبد فيه ، وهو باطن أبدا لا يظهر بالعين إلَّا في الأصنام وكلَّيات مراتبه بعد الأنواع المعبودة ، وهي وإن كثرت فقد أشرنا إلى أمّهاتها في الفصّ النوحي ، فانظرها فيه . قال - رضي الله عنه - : « ألا ترى علم الله بالأشياء ما أكمله ، كيف تمّم في حق من عبد هواه ، واتّخذه إلها ، فقال : « وَأَضَلَّه ُ الله عَلى عِلْمٍ » « 2 » والضلالة : الحيرة ، وذلك أنّه لمّا « 3 » رأى هذا العابد ما عبد إلَّا هواه بانقياده لطاعته فيما يأمره به من عبادة من عبده من الأشخاص ، حتى [ أنّ ] عبادته لله كانت عن هوى أيضا ، لأنّه لو لم يقع له في ذلك الجناب المقدّس [ هوى ] - وهو الإرادة بمحبّة « 4 » - ما عبد الله ولا آثره على غيره ، فكذلك كل من عبد صورة ما من صور العالم واتّخذها إلها ما اتّخذها إلَّا بالهوى ، فالعابد لا يزال تحت سلطان هواه ، ثم رأى المعبودات تتنوّع في العابدين ، وكلّ عابد أمرا ما يكفّر من يعبد سواه ، والذي عنده أدنى تنبّه يحار لاتّحاد الهوى ، بل لأحدية الهوى ، فإنّه عين واحدة في كل عابد ، فأضلَّه الله - أي حيّره - على علم بأنّ كل عابد ما عبد إلَّا هواه ، ولا استعبده إلَّا هواه [ سواء ] صادف الأمر المشروع أو لم يصادف ، والعارف المكمّل من رأى كلّ معبود مجلى للحق يعبد [ فيه ] ، ولذلك سمّوه كلَّهم إلها مع اسمه الخاصّ بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك ، هذا اسم الشخصية فيه ، والألوهة مرتبة تخيّل العابد له أنّها مرتبة معبودة وهي على الحقيقة مجلى الحق لبصر هذا

--> « 1 » الجاثية ( 45 ) الآية 23 . « 2 » الجاثية ( 45 ) الآية 23 . « 3 » جوابه قوله : « فأضلَّه اللَّه » . « 4 » في بعض النسخ : بمحبّته .