مؤيد الدين الجندي

630

شرح فصوص الحكم

قال - تعالى - : * ( لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ ) * « 1 » فنزّه وشبّه » . يعني - رضي الله عنه - : نزّه في عين التشبيه ، لأنّه نزّه في مماثلة المثل ما لا يماثله في هذه المثلية وهو عين التشبّه « 2 » ، لأنّه إثبات المثل ونفي مماثلته ، فنزّه أن يكون شيء من الأشياء مثلا لهذا المثل المنزّه ، فينتفي عن الحق المماثلة بالأحرى والأحقّ ، وذلك على أنّ الكاف غير زائدة ، فهو - كما ذكرنا - تنزيه في تشبيه أو تشبيه في تنزيه ، وكلاهما سائغ فيه ، فتأمّل . « * ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) * فشبّه » أي شبّه في عين التنزيه ، لأنّه أثبت السمع والبصر اللذين هما ثابتان عرفا للعبد ، ولكنّه خصّص الإضافة إليه - سبحانه - فإنّه حملهما على هويته - تعالى - المنزّهة المقدّسة عن أن يكون معه غيره ، فهو السميع لا سميع غيره معه ، وهو البصير لا بصير سواه دونه كذلك ، ولذلك يسوغ أيضا كالأوّل في « لَيْسَ كَمِثْلِه ِ » أن يكون تنزيها في عين التشبيه من حيث تخصيص السميعية والبصيرية - اللتين اشترك فيهما ، عرفا وعقلا وشرعا لا كشفا كلّ حيوان ذو بصر وسمع - بالحق دونه - إن فرضت غيرا ، فانظر تداخل الحقائق بعضها في البعض من حيث النظرة الكشفي والتحقيق الشهودي الكمالي . قال - رضي الله عنه - : « وهي أعظم آية « 3 » نزلت في التنزيه ، ومع ذلك لم تخل عن تشبيه بالكاف ، فهو أعلم العلماء بنفسه ، وما عبّر عن نفسه إلَّا بما ذكرناه ، ثم قال : * ( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ) * « 4 » وما يصفونه إلَّا بما تعطيه عقولهم ، فنزّه نفسه عن تنزيههم ، إذ حدّدوه بذلك التنزيه ، وذلك لقصور العقل عن إدراك مثل هذا » . يعني - رضي الله عنه - قصور العقل المقيّد بالقوّة البشرية النظرية بالفكر ، لا العقول المنوّرة القابلة نور التجلَّي والوهب الإلهيّين على الكشف والشهود .

--> « 1 » الشورى ( 42 ) الآية 11 . « 2 » م : التشبيه . « 3 » في بعض النسخ : آية تنزيه . « 4 » الصافّات ( 37 ) الآية 180 .