مؤيد الدين الجندي

620

شرح فصوص الحكم

واعلم أوّلا : أنّ الرحمة إنّما هي في الإيجاد عامّة ، وبالرحمة بالآلام أوجد الآلام ، ثمّ إنّ الرحمة لها الأثر بوجهين : أثر بالذات وهو إيجادها كلّ عين موجودة ، ولا تنظر إلى غرض ولا إلى عدم غرض ولا إلى ملائم ولا إلى غير ملائم ، فإنّها ناظرة في عين كلّ موجود قبل « 1 » وجوده ، بل تنظره في عين ثبوته ، ولهذا رأت الحقّ المخلوق في الاعتقادات عينا ثابتة في العيون الثابتة ، فرحمته بنفسها في الإيجاد ، ولهذا قلنا : إنّ الحق المخلوق في الاعتقادات أوّل شيء مرحوم بعد رحمتها بنفسها ، في تعلَّقها بإيجاد المرحومين . ولها أثر آخر بالسؤال ، فيسأل المحجوبون الحقّ أن يرحمهم في اعتقادهم ، وأهل الكشف يسألون رحمة الله أن تقوم بهم ، فيسألونها باسم الله ، فيقولون : يا الله ارحمنا « 2 » ، ولا يرحمهم إلَّا قيام « 3 » الرحمة بهم ، فلها الحكم ، لأنّ الحكم إنّما هو في الحقيقة بالمعنى القائم بالمحلّ » . يشير - رضي الله عنه - إلى أنّ الوجود الحق - المتعيّن في كل عين عين بعد تعيّنه بالمظهر وقيامه بمحلّ الظهور - يحكم على القابل بمقتضى حقيقته وقيامها ، أعني الرحمة الوجودية الفيضة « 4 » ، وليست إلَّا الوجود بعينها أوّلا بالذات في حقائق الأشياء وأعيانها الثابتة ، فبنفس تعلَّقها بالحقائق أزلا للإيجاد يوجد الحقّ المخلوق في الاعتقادات بعد تعيّنها في عين نفسها - يعني الرحمة - ونسب ذات الرحمة ، فإنّ تعيّن الوجود في علوم المعتقدين بعد تعيّنه في علم الله ، فتعلَّق الرحمة الوجودية به كذلك - بحسب تعلَّقه في حقائقهم - متأخّر الرتبة عن حقيقة الرحمة ، ومتقدّم على المرحوم بحسب اعتقادهم . قال - رضي الله عنه - : « فهو الراحم على الحقيقة ، فلا يرحم الله عباده المعتنى بهم إلَّا بالرحمة ، فإذا قامت بهم [ الرحمة ] وجدوا حكمها ذوقا ، فمن ذكرته الرحمة ، فقد

--> « 1 » احتمال الماضي - كما في شرح القيصري - ضعيف . « 2 » في النسختين : لرحمنا . « 3 » في بعض النسخ : بقيام الرحمة . « 4 » م : الفيضية .