مؤيد الدين الجندي

608

شرح فصوص الحكم

- تعالى - أيّوب ، علمنا أنّ رجوعه أوّلا وآخرا ما كان إلى الأسباب من حيث حجابياتها . قال - رضي الله عنه - : « إذ الأسباب المزيلة لأمر ما كثيرة والمسبّب واحد المعيّن « 1 » ، فرجوع العبد إلى الواحد العين المزيل بالسبب ذلك الألم أولى من الرجوع إلى سبب خاصّ ربما لا يوافق علم الله فيه ، فيقول : إنّ الله لم يستجب لي وهو ما دعاه ، وإنّما جنح إلى سبب « 2 » معيّن لم يقتضه الزمان ، فعمل أيّوب بحكمة الله إذ كان نبيّا ، لما علم أنّ الصبر « 3 » هو حبس النفس عن الشكوى عند الطائفة » . يعني أنّ المتقدّمين من المشرقيين من أهل التصوّف قالوا به . قال - رضي الله عنه - : « وليس ذلك بحدّ للصبر عندنا ، وحدّه « 4 » حبس النفس عن الشكوى لغير الله ، لا إلى الله ، فحجب الطائفة نظرهم في أنّ الشاكي يقدح بالشكوى في الرضا بالقضاء ، وليس كذلك ، فإنّ الرضي بالقضاء لا يقدح فيه الشكوى إلى الله ولا إلى غيره ، وإنّما تقدح في الرضى بالمقضيّ ، ونحن ما خوطبنا بالرضى بالمقضيّ ، والضرّ هو المقضيّ ، ما هو عين القضاء » . يشير - رضي الله عنه - إلى أنّ القضاء حكم الله بمقتضى حقيقة المقضيّ عليه وحاله واستعداده بالمقضيّ به كائنا ما كان ، فالقضاء هو الحكم غير المقضيّ به وهو المحكوم به ، فلا يلزم من الرضا بحكم الله الرضا بالمحكوم ، لتغايرهما ، فإنّ المتغايرين متفارقان بما هما متغايران . قال - رضي الله عنه - : « وعلم أيّوب أنّ في حبس النفس عن الشكوى إلى الله في رفع الضرّ مقاومة القهر الإلهي ، وهو جهل بالشخص ، إذا ابتلاه « 5 » الله بما يتألَّم منه

--> « 1 » في أكثر نسخ الفصوص : العين . « 2 » في بعض النسخ : خاصّ . « 3 » في بعض النسخ : الذي . « 4 » في بعض النسخ : وإنّما حدّه . « 5 » في بعض النسخ : إذ ابتلاه اللَّه .