مؤيد الدين الجندي

593

شرح فصوص الحكم

ومع هذا ما ذمّ منها ما ذمّ ، وما حمد منها ما حمد » « 1 » . أي من عين الإنسان : إذا أضيف إليها الفعل ، فإنّه يذمّ ويحمد . قال - رضي الله عنه - : « ولسان الذّم على جهة الغرض مذموم عند الله ، فلا مذموم إلَّا ما ذمّه الشرع ، فإنّ ذمّ الشرع لحكمة يعلمها الله أو من أعلمه الله ، كما شرع القصاص للمصلحة إبقاء لهذا النوع وإرداعا للمتعدّي حدود الله فيه ، * ( وَلَكُمْ في الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الأَلْبابِ ) * « 2 » وهم أهل لبّ الشيء الذين عثروا على سرّ النواميس الإلهية والحكمية . وإذا علمت أنّ الله راعى هذه النشأة وأقامها ، فأنت أولى بمراعاتها ، إذ لك بذلك السعادة ، فإنّه ما دام الإنسان حيّا ، يرجى له تحصيل صفة الكمال الذي خلق له ، ومن سعى في هدمه ، فقد سعى في منع وصوله لما خلق له ، وما أحسن ما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : « ألا أنبّئكم بما هو خير لكم وأفضل من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم ؟ ذكر الله » . قال العبد : والسرّ في ذلك أنّ الغزو والقتال في سبيل الله إنّما شرع لإعلاء كلمة الله وذكره ، إن كانت الدولة للمسلمين والغلبة للمجاهدين وإن لم يكن كذلك وكان بالعكس ، فإنّ فيه نقصان عبيد الله الذاكرين له المقتولين في سبيله وتفويت العلَّة الغائيّة ، فذكر الله مع الأمن عن المحذور - وهو الفتنة وقتل أولياء الله - أفضل من الجهاد الظاهر ، وإن كان المقتول في سبيل [ الله ] على أجر تامّ ، فذلك حظَّه بهدم أبنية الرحمن في صورة الإنسان ، فاعلم ذلك . قال - رضي الله عنه - : « وذلك أنّه لا يعلم قدر هذه النشأة الإنسانية إلَّا من ذكر الله الذكر المطلوب منه - فإنّه تعالى جليس من ذكره ، والجليس مشهود للذاكر ، ومتى لم يشاهد الذاكر الحق الذي هو « 3 » جليسه ، فليس بذاكر ، فإنّ ذكر الله سار في جميع

--> « 1 » في بعض النسخ : ومع هذا ذمّ منها ما ذمّ وحمد منها ما حمد . « 2 » البقرة ( 2 ) الآية 179 . « 3 » في النسختين : الذي من جليسه .