مؤيد الدين الجندي
580
شرح فصوص الحكم
الله والتبتّل ، وتحقّق فيه هذا السرّ ، أظهر الله لسرّ تبعية ظاهره وباطنه ، كما قلنا له في التنزيه والتقديس الإلهي صورة ومثالا ترجيع الجبال والطير ، لمّا كان الغالب عليه في زمانه تجلَّي الاسم « الظاهر » على « الباطن » ، فكانت الحقائق والمعاني تظهر صورا قائمة لهم لما أهّله الله وخصّه بكمال الظهور الوجودي . قال - رضي الله عنه - : « [ وأعطاه القوّة ونعته بها ] وأعطاه الحكمة » يعني : وضع الأمور مواضعها ، وكان يحكم بالأحكام المؤيّدة بالحكمة . قال : « وفصل الخطاب » . يعني الإفصاح بحقيقة الأمر ، وقطع القضايا والأحكام باليقين من غير ارتياب ولا شكّ أو توقّف . قال - رضي الله عنه - : « ثمّ المنّة الكبرى والمكانة الزلفى - التي خصّه الله بها - التنصيص على خلافته ، ولم يفعل ذلك بأحد من أبناء جنسه وإن كان فيهم خلفاء ، فقال : * ( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى ) * « 1 » ، أي ما يخطر لك في حكمك من غير وحي منّي * ( فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله ) * « 2 » أي عن الطريق الذي أوحي بها إلى رسلي ، ثمّ تأدّب سبحانه معه ، فقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ) * « 3 » ولم يقل له : فإن ضللت عن سبيلي فلك عذاب شديد . فإن قلت : وآدم عليه السّلام قد نصّ على خلافته . قلنا : ما نصّ مثل التنصيص على داود ، وإنّما قال للملائكة : * ( إِنِّي جاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً ) * « 4 » ، ولم يقل : إنّي جاعل آدم خليفة في الأرض ، ولو قال ، لم يكن مثل قوله : « جَعَلْناكَ خَلِيفَةً » في حق داوود ، فإنّ هذا محقّق ، وليس ذلك كذلك « 5 » ، وما يدلّ ذكر آدم في القصّة بعد ذلك على أنّه عين ذلك الخليفة الذي نصّ الله عليه ، فاجعل بالك لإخبارات الحق عن عباده إذا أخبر ، وكذلك في حق إبراهيم : * ( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
--> « 1 » ص ( 38 ) الآية 26 . « 2 » ص ( 38 ) الآية 26 . « 3 » ص ( 38 ) الآية 26 . « 4 » البقرة ( 2 ) الآية 30 . « 5 » في بعض النسخ : وذلك ليس كذلك .