مؤيد الدين الجندي
523
شرح فصوص الحكم
قال - رضي الله عنه - : روح من الله لا من غيره فلذا أحيا الموات وأنشأ « 1 » الطير من طين . يشير - رضي الله عنه - إلى أنّ هذا الروح الكامل مظهر الاسم « الله » وأنّ النافخ له هو الله من حيث الصورة الجبرئيلية ، ليس من حضرة اسم آخر من الأسماء التابعة الفرعية ، فإنّ كلم أرواح سائر الأنبياء - كما علمت ممّا تقدّم - وإن كانت من حضرة الاسم « الله » ولكن من حيث تجلَّيه من سائر الحضرات الإلهية إلَّا أنّه من باطن أحدية جمع الحضرة الإلهية ، كما مرّ في شرح فصّ شيث عليه السّلام فتذكَّر ، فتعيّن هذا الروح من باطن الحضرة الإلهية ، ولهذا قال الله - تعالى - إنّه روح الله وكلمته ، فالكلمة لباطن الله وهويّته الغيبية ، والروح لله ، ولهذا هو عبد الله ومظهره وقد ظهر به ، من الدلائل على ذلك الإحياء والإبراء والخلق . قال - رضي الله عنه - : حتى يصحّ له من ربّه نسب به يؤثّر في العالي وفي الدون يشير - رضي الله عنه - : إلى الإحياء والخلق ، فإنّ الإحياء من خصوص الإلهية وكذلك الخلق ، * ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) * « 2 » فلمّا ظهرا منه ، صحّ له نسب من الاسم الله ، فأثّر بالإحياء والإبراء وقد عجز عن ذلك غيره - في الصور العالية الإنسانية ، وأثّر في الدون بالخلق ، وهو صورة الخفّاش . قال - رضي الله عنه - : الله طهّره جسما ونزّهه روحا وصيّره مثلا لتكوين « 3 » يشير - رضي الله عنه - إلى أنّ جسمانيّته تمثّليّ روحاني ، ليس فيها من التلوينات الطبيعية البشرية ما يقدح في روحانيته ، فإنّ صورته روح متجسّد في رأي العين وليس فيها من الجسم إلَّا حقيقة الجسمية التي بها يثبت متحيّزا لعيان العيون ، ويبقى كذلك مدّة مديدة . وذلك من طينة أمّه الطيّبة الطاهرة ، وتنزيه روحه عن التقيّد بمرتبة جزئيّة من
--> « 1 » سقطت الهمزة للضرورة . « 2 » يس ( 36 ) الآية 79 . « 3 » في بعض النسخ : بتكوين .