مؤيد الدين الجندي
446
شرح فصوص الحكم
أرجلهم عين الحق من حيث لم يعرفوا ، فلمّا عرفوا غرقوا في الذوق واللذّة القربيّة من حيث لم يعرفوا كذلك . قال - رضي الله عنه - : « فما أعطاهم هذا المقام الذوقي اللذيذ من جهة المنّة ، وإنّما أخذوه بما استحقّه حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها ، وكانوا في السعي في أعمالهم على صراط الربّ المستقيم ، لأنّ نواصيهم كانت بيد من له هذه الصفة ، فما مشوا بنفوسهم ، وإنّما مشوا بحكم الجبر » . يعني - رضي الله عنه - : أنّهم في سعيهم الذي سعوا غير مختارين بالاختيار المعروف عرفا ، فإنّهم إنّما سعوا بموجب استعداداتهم الذاتية وبموجبها تعلَّقت المشيّة الإلهية بما يشبه الجبر ، فساقهم من أدبارهم بالدبور ، وأخذهم بنواصيهم جبرا ، حتى أوصلهم إلى ما استحقّوا بحسب مقتضيات ذواتهم لا باختيارهم المجعول فيهم ، فافهم . قال - رضي الله عنه - : « إلى أن وصلوا إلى عين القرب * ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه ِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ) * « 1 » وإنّما هو مبصر ، فإنّه مكشوف الغطاء فبصره حديد ، وما خصّ ميّتا عن ميّت أي خصّ مؤمنا سعيدا دون مشرك شقيّ « 2 » [ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وما خصّ إنسانا من إنسان ] ، فالقرب الإلهي من العبد لا خفاء به في الإخبار الإلهي ، فلا قرب أقرب من أن تكون هويّته عين أعضاء العبد وقواه ، وليس العبد سوى هذه الأعضاء والقوى ، فهو حق مشهود في خلق متوهّم ، فالخلق معقول ، والحق محسوس مشهود عند المؤمنين وأهل الكشف والوجود ، وما عدا هذين الصنفين فالحق عندهم معقول ، والخلق مشهود ، فهم بمنزلة الماء الملح الأجاج » . يعني : علومهم ليست إلَّا بحجابيات الأشياء وصنميّات الأعيان والأهواء ، فلا علم لهم بالحق الذي يشهدون * ( وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) * « 3 » . « والطائفة الأولى بمنزلة الماء العذب الفرات السائغ شرابه لشاربيه ، فالناس على
--> « 1 » الواقعة ( 56 ) الآية 85 . « 2 » في أكثر النسخ : أي ما خصّ سعيدا في القرب من شقيّ . « 3 » الأعراف ( 7 ) الآية 198 .