مؤيد الدين الجندي

436

شرح فصوص الحكم

يعني - رضي الله عنه - : أنّ الواقف - من الناظرين في العالم - مع الكثرة إنّما يقف مع تعقّلات يتعقّلها في هذا النور الواحد الحقيقي الذي لا كثرة فيه على الحقيقة ، بل من حيث التعقّل ، فليس واقفا إلَّا مع أسماء وضعها على هذا النور الواحد ، بحسب تعقّلات يتعقّلها أسماء ، فيتعقّل من الظهور بعد البطون بالنسبة إليه تجدّدا وتغيّرا وحدوثا ، فيقول : هذا متغيّر ، وكلّ متغيّر حادث ، فيتعقّل أنّ له محدثا ، ثم يتعقّل أنّ المحدث - اسم فاعل - يجب أن لا يكون حادثا ، ويتعقّل كثرة غير متناهية في الحادثات المتجدّدات ، فيضع بحسب ذلك لها أسماء ويضع لمحدثها أسماء يزعم أنّ فيها كمالات ، وفي أضدادها ونقائضها نقائص ، فهو هكذا دائما مع الأسماء ، والواقف مع أحدية العين يرى أنّ هذه الكثرة المتخيّلة والمتعقّلة إنّما هي في عين واحدة ، ليس لغيرها تحقّق في نفسه ، ويرى أنّ التجدّد والحدوث والظهور والبطون والكثرة والوحدة نسب متعقّلة ، ما لها تحقّق في أعيانها ، فهو مع الحق والواحد الأحد ، فافهم . قال - رضي الله عنه - : * ( قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ) * « 1 » من حيث عينه * ( الله الصَّمَدُ ) * « 2 » ، من حيث إسنادنا إليه ، * ( لَمْ يَلِدْ ) * « 3 » من حيث هويّته ونحن ، * ( وَلَمْ يُولَدْ ) * « 4 » كذلك ، * ( وَلَمْ يَكُنْ لَه ُ كُفُواً أَحَدٌ ) * « 5 » كذلك » لأنّه محيط بالكلّ ، ولا غير له فما له كفو . قال - رضي الله عنه - : « فهذا نعته ، فأفرد ذاته بقوله : « الله أحد » وظهرت الكثرة بنعوته المعلومة عندنا ، فنحن نلد ونولد ونحن نستند إليه ، ونحن أكفاء بعضنا لبعض ، وهذا الواحد منزّه عن هذه النعوت » . يعني - رضي الله عنه - : أنّ الواحد الذي لا يكون معه غيره يتعالى ويتنزّه عمّا لا تقتضيه ذاته ، فإنّ مقتضى ذاته أن لا يكون إلَّا هو ولا يكون معه غيره أصلا ورأسا ، فانتفت عنه هذه النسب كلَّها ، لأنّها لا تعقل إلَّا في كثرة ، ونحن الكثيرون ، فصحّت نسبتها إلينا ، ولم تصحّ نسبتها إلى الواحد الأحديّ الذات الذي ليس إلَّا هو ، كان الله ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان .

--> « 1 » الإخلاص ( 112 ) الآيات 1 . « 2 » الإخلاص ( 112 ) الآيات 2 . « 3 » الإخلاص ( 112 ) الآيات 3 . « 4 » الإخلاص ( 112 ) الآيات 4 . « 5 » الإخلاص ( 112 ) الآيات 5 .