مؤيد الدين الجندي
412
شرح فصوص الحكم
قال - رضي الله عنه - : « فالدين كلَّه لله » . يعني - رضي الله عنه - : سواء انقدت إلى ما شرعه الله للانقياد به أو وضعه واضعوا النواميس من الخلق ، فليس الانقياد إلَّا له لا ربّ غيره . قال - رضي الله عنه - : « وكلَّه منك » أي الانقياد « لا منه إلَّا بحكم الأصالة » أي إنّما ينقاد إليه ، لكون المنقاد إليه بالأصالة مأمورا به من عند الله أو مأمورا به من عند الخلق لله ، « قال الله - تعالى - : * ( وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ) * « 1 » وهي النواميس الحكمية التي لم يجيء الرسول المعلوم بها في العامّة من عند الله - بالشريعة « 2 » الخاصّة المعلومة في العرف ، فلمّا وافقت الحكمة والمصلحة الظاهرة فيها الحكم الإلهيّ في المقصود بالوضع الإلهي المشروع ، اعتبرها الله تعالى - اعتبار ما شرعه من عنده - وما كتبها الله تعالى عليهم « 3 » ، ولمّا فتح الله بينه وبين قلوبهم باب العناية والرحمة من حيث لا يشعرون ، جعل في قلوبهم تعظيم ما شرعوا - يطلبون بذلك رضوان الله - على غير الطريقة النبوية المعروفة بالتعريف الإلهي [ فقال : * ( فَما رَعَوْها ) * هؤلاء الذين شرعوها وشرعت لهم * ( حَقَّ رِعايَتِها ) * * ( إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ الله ) * وكذلك اعتقدوا * ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا ) * بها * ( مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ) * أي من هؤلاء الذين شرع فيهم هذه العبادة * ( فاسِقُونَ ) * ] « 4 » أي خارجون عن الانقياد إليها [ والقيام بحقّها ] » « 5 » . لمّا وافقت المصلحة فيها حكم الله - من حيث إنّ الله إنّما وضع من الشرع ما وضع للانقياد الكلَّي لأمر الله تعالى ، وهذا كان المراد أيضا كذلك من وضع النواميس الحكمية - فاعتبرها الله اعتبار ما شرعه هو لعبيده من عنده ، فمن انقاد إلى الله فيها ، فقد انقاد لله .
--> « 1 » الحديد ( 57 ) الآية 27 . « 2 » في بعض النسخ : بالطريقة . « 3 » إشارة إلى الآية ( 27 ) من الحديد ( 57 ) . « 4 » الحديد ( 57 ) الآية 27 . « 5 » الموجود في النسختين هكذا : « بالتعريف الإلهي إلى قوله : « وكثير منهم فاسقون » أي خارجون عن الانقياد إليها الجمهور للَّه لمّا . . . » .