مؤيد الدين الجندي

315

شرح فصوص الحكم

قال - رضي الله عنه - : « وبهذا كان الحقّ ملك الملك » « 1 » . قال العبد : لمّا تحقّقنا أنّ ما بنا من نعمة فمن الله ، تحقّق أنّ الوجود - الذي هو أفضل النعم وأشرف النسب والقسم - من الله ، والوجود الحقّ هو المتعيّن في جميع صور النعماء والآلاء والأيادي ، وفي صور الملاذّ والملاهي ، في الصورة الثبوتية الأمرية والسلبية في المناهي ، وأنّ التعيّنات لا تبقى زمانين إلى أقصى ما أقصى به لا يتناهى ، وأنّ الوجود الحقّ يتبدّل ويتبذّل مع الآنات ملابس تعيّن وظهور وتنوّع بحلي ، وتحلّ وسفور في ستور من سرّ الخلق الجديد الذي هم منه في لبس ملابس من « 2 » جميع الأمور فكما أنّ حقائق الأشياء - مع قطع النظر عن الوجود المتعيّن بها وفيها - نسب راجعة إلى العدم ، كذلك الوجود الحقّ يقتضي لحقيقته التجلَّى والظهور والتعيّن بصورة النور في المظاهر والمجالي ، على التواتر والتوالي ، من غير فتور إلى الأبد من أزل وقدم ، فلو كان مشهود العباد هو الحقّ الذي هو قوامهم وقيامهم ، وهو الحيّ القيّوم فيهم وقيّامهم ، فرأوا الملك والمال والولد والنعم لله حقيقة لا لهم دونه ، فإنّهم بلا « هو » عدم صرف والعدم لا يملك ، فالملك لله فيهم بالأصالة بلا شريك ، ولهم فيه لا بالحقيقة بل بالتمليك ، وأنّ المرجوع في كل ذلك إلى الله ، * ( أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الأُمُورُ ) * « 3 » و * ( هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) * « 4 » وهو المليك المالك للملك والملكوت ، لكان الحقّ في تجلَّيه لهم بحسب ظنونهم فكان لهم مالا وملكا أبديّا وملكا سرمديّا وهم ملكه ، فهو ملك ملكهم ، إذا زال عنهم ما بأيديهم من مالهم وملكهم ممّا تخيّلوا أنّه لهم بالأصالة من كفرهم وشركهم فحجبوا في عين الكشف ، وسكروا بالوصف ، قبل الشرب والرشف . قال أبو يزيد البسطاميّ - سلام الله عليه - في مناجاته إيّاه ومحاضرته لمولاه - وقد تجلَّي له المليك المقتدر - : « ملكي أعظم من ملك ، لكونك لي وأنا لك ، فأنا ملكك وأنت

--> « 1 » في بعض النسخ : مالك الملك . « 2 » ف : في جميع . « 3 » الشورى ( 42 ) الآية 53 . « 4 » الرعد ( 13 ) الآية 33 .