مؤيد الدين الجندي
306
شرح فصوص الحكم
في أنفسهم بما عندهم منك * ( اسْتِكْباراً ) * « 1 » واستكثروا من الإفك استكثارا * ( وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا ) * « 2 » ولا تدعنّ على ما تدعون ، وتدعون لود ودّا ، ولا يسوغ لكم أن تسعوا في ترك سواع ، وإلَّا فأنتم في خسار وضياع ، ولا يغوثكم يغوث ، و [ لا ] يعوقكم عن مطالبكم يعوق ، ولا يسرّكم من نسر يمن ويسر ، وإنّكم إن أجبتموه إلى ما يدعوكم [ إليه ] من التنزيه والتوحيد ، لوجب عليكم القيام بموجب التقليد ، والقعود على قواعد التقييد ، وقبول الإقبال على التوحيد ، والإعراض عن القول بالكثرة والتعديد . قال الشيخ - سلام الله عليه - : « فعلم العلماء بالله ما أشار إليه نوح في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذمّ وعلم « 3 » أنّهم إنّما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان ، والأمر قرآن لا فرقان ، ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان « 4 » [ وإن كان فيه ، فإن القرآن يتضمّن الفرقان ] والفرقان لا يتضمّن القرآن » . قال العبد : علم المحقّقون من هذه الإشارات أنّ قوم نوح إنّما أجابوا لما دعاهم إليه في صورة الإعراض ، وأقرّوا بعين ما ادّعاه في ملابس الإنكار بنوع من الإشارة والإيماض ، وذلك لأنّه دعاهم إلى الاستغفار - وهو طلب الغفر - فتظاهروا بالاستتار عن تجلَّي الواحد القهّار ، في العكوف على عبادة حجابيّات الأغيار ، ممّا يحبّق من الخشب والأحجار ، فأجابوه بالفعل إلى ما دعاهم من الاستغفار ، فأثنى عليهم نوح عليه السّلام كذلك في صورة الذمّ ، كما ظهروا بصورة الجهل فيما عندهم من العلم لأنّ دعوته لهم كانت إلى التوحيد وتنزيه التجريد ، وذلك تمييز وتقييد ، وفرقان بيّن بين السادات والعبيد ، والضالّ والرشيد ، والغاوي والسديد ، والمقرّ المريد ، والمنكر المريد ، وأنّ سوس الأمر وأساسه على الجمع والقرآن ، ليس على الصدع والفرقان ، لأنّ الوحدة - كما عرفت - تضادّ الكثرة والتوحيد ينافي التعديد ويحادّ أمره ، والحق - سبحانه
--> « 1 » نوح ( 71 ) الآية 7 . « 2 » نوح ( 71 ) الآية 23 . « 3 » في م . ف : علموا أنتم . « 4 » في بعض النسخ : على الفرقان .