مؤيد الدين الجندي
133
شرح فصوص الحكم
وفي إضافة السمع إلى الدعاء ، والإجابة إلى النداء ، قد يقع لبعض الناس أنّ العكس أنسب عرفا لكون المراد من النداء الإسماع ، ومن الدعاء الإجابة ، كما قال الله - تعالى - : * ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) * « 1 » . ولكنّه - رضي الله عنه - مقيّد في جميع أحواله وأقواله بالله ورسوله ، فاعتبر فيما قال قوله « 2 » تعالى : * ( إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ) * « 3 » . ولمّا تحقّق الإجابة من الله تعالى ، قال : « فما ألقي إلَّا ما يلقي إليّ » [ من ] علوم ما تضمّنه هذا الكتاب ، والله الملقي إليّ من الحضرة المحمدية الختمية « 4 » الكمالية الإلهية « ولا أنزل في هذا المسطور » يعني بالتدريج في كلّ فصّ فصّ وحكمة حكمة « إلَّا ما ينزّل » الله الظاهر في الصورة المحمدية الكمالية الختمية « به عليّ » . ولمّا علم - رضي الله عنه - سبق الأوهام إلى أنّ في قوله : « ينزّل به عليّ » تراميا إلى النبوّة أو الوحي لضعف الأفهام ، أو تقييدهم بظاهر الكلام ، أعقب بقوله : « ولست بنبيّ ولا رسول ، ولكنّي وارث ، ولآخرتي حارث » نفيا لأوهامهم ، وتوصيلا إلى مراده أوهامهم لإفهامهم ، وتأصيلا لأهل التحصيل أنّ الإنزال من الله إلى العبيد الكمّل مطلقا غير محجور « 5 » ولا مهجور ، بل ذلك إنزال خاصّ يتعلَّق بتشريع وتأصيل للأوامر والنواهي والأحكام ، وتفصيل وتفريع ، فافهم . و « الوارث » هو الذي يرث من قبله من الأنبياء علومه وأحواله ومقاماته ، فيقوم بمقاماته ، وتظهر عليه أحواله بآياته ، ويظهر هو حقائق علوم الله التي أظهرها بذلك النبيّ في زمانه بتجلَّياته . وهاهنا مباحث شريفة متعلَّقة بتحقيق قوله : « العلماء ورثة الأنبياء ، ما ورّثوا دينارا ولا درهما ، وإنّما ورّثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظَّ وافر » يعني أخذه عن الله وذلك لأنّ الوراثة لا تتحقق إلَّا في عين مال المورّث أو عوضه ، وكانت علوم الأنبياء إلهية
--> « 1 » المؤمن ( 40 ) الآية 60 . « 2 » الظاهر زيادة « قوله » . « 3 » آل عمران ( 3 ) الآية 38 . « 4 » م : الحقّيّة . « 5 » ف : محجوز .