الشيخ السبحاني

316

المذاهب الإسلامية

لا مجرد من اتّخذ القبور مسجداً مجرداً عن أي شرك ، أو إذا كانت إقامة الصلاة عند قبورهم من باب التبرّك بهم . وممّا يدلّ على أنّ المراد هو بناء المساجد على القبور والسجود لهم أو إليها هو انّ بعض الروايات وصفت هؤلاء بأنّهم شرار الناس ، ففي حديث : فاعلموا أنّ شرار الناس الذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، ان توصيفهم بأنّهم شرار الخلق عند اللَّه يميط الستر عن حقيقة عملهم ، إذ لا يوصف الإنسان بالشر المطلق ، إلّاإذا كان مشركاً ، قال سبحانه : « إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ » « 1 » . كلّ ذلك يكشف عن مغزى الحديث ، وانّ عملهم لم يكن عملًا مجرداً مثل صرف بناء المسجد على القبر والصلاة فيه ، أو إقامة الصلاة عند القبور ، بل كان عملًا مقترناً بالشرك بألوانه وصوره المختلفة كاتخاذ القبر إلهاً ومعبوداً أو قبلة عند الصلاة أو السجدة عليها بمعنى اتّخاذها مسجوداً . وقد فهم غير واحد من العلماء نفس ما ذكرناه من الحديث ، يقول القسطلاني في « إرشاد الساري » نقلًا عن البيضاوي : لمّا كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصلاة نحوها واتّخذوها أوثاناً ، لعنهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنع المسلمون عن مثل ذلك ، فأمّا من اتّخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرّك بالقرب منه - لا للتعظيم ولا للتوجه إليه - فلا يدخل في الوعيد المذكور . « 2 »

--> ( 1 ) . الأنفال : 22 . ( 2 ) . إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري : 2 / 437 - 438 ، باب بناء المساجد على القبر .