الشيخ السبحاني

32

حكم الأرجل في الوضوء

الماء ، يقال : مسحت يدي بالماء إذا غسلتها وتمسّحت بالماء إذا اغتسلت ، وأمّا إذا جرّد عن ذلك فيراد منه مجرّد الإمرار ، من غير فرق بين أن تكون يده مبتلّة أو جافّة . ولكن لما جاء المسح بالرؤوس والأرجل في الآية المباركة بعد غسل الوجه واليدين يكون ذلك قرينة على إمرار اليد عليها بالبلة الموجودة فيها . وبذلك ظهر أنّ الآية المباركة تحتوي على واجبين : أحدهما : الغسل ، والآخر : المسح ، وكلّ يغاير الآخر ، فلا الغسل مشتمل على المسح ولا المسح على الغسل . ومن حاول تفسير المسح في الآية بالغسل بحجّة انّ المسح يستعمل في الغسل فقد أخطأ ، فلأنّ المسح انّما يستعمل في الغسل إذا قيّد بلفظة الماء وإلّا فلا يراد منه سوى الإمرار . وبذلك يظهر الخلط في كلام ابن قتيبة ، قال : كان رسول اللّه يتوضأ بمدّ ، وكان يمسح بالماء يديه ورجليه وحولها غاسل ، قال : ومنه قوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ والمراد بمسح الأرجل غسلها . ويستدل بمسحه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم برأسه وغسله رجليه ، بأنّ فعله مبيّن وبأنّ المسح يستعمل في المعنيين المذكورين ، إذ لو لم نقل بذلك لزم القول بأنّ فعله ناسخ للكتاب وهو ممتنع ، وعلى هذا فالمسح مشترك بين معنيين ، فإن جاز إطلاق اللفظة الواحدة وإرادة كلا معنييها كانت مشتركة أو حقيقة في أحدهما ومجازا في الآخر كما هو قول الشافعي ، فلا كلام . وإن قيل بالمنع فالعامل محذوف ، فالتقدير وامسحوا بأرجلكم مع إرادة الغسل ، وسوّغ حذفه لتقدّم لفظه وإرادة التخفيف « 1 » . يلاحظ عليه بوجهين : الأوّل : أنّ ابن قتيبة أراد تفسير الآية بفعله وعمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبما أنّه كان يغسل رجليه فهو دليل على أنّ المراد من مسح الأرجل هو الغسل ، ولكنه غفل عن

--> ( 1 ) - الفيومي : المصباح المنير : 2 / 571 - 572 ، مادة مسح .