ابن عربي

89

فصوص الحكم

ومشاهَد ، وهذه النسبة تتنافى مع الوحدة . فما دام للأنا وجود فالاثنينية - لا الأحدية - موجودة . ولهذا كله ينكر ابن عربي إدراك الوحدة الوجودية في هذا العالم ، ومن الحمق في نظره أن نقول إن العبد في حال الفناء يصير « حقاً » لأنه لا صيرورة في مذهبه إذ الصيرورة تقتضي الاثنينية والاثنينية تناقض الوحدة . فمذهب وحدة الوجود الذي يقول به ابن عربي إذن دعوى تؤيدها فطرة العقل أكثر مما يؤيدها الذوق الصوفي . هو لا يقول إن الوجود وحدة لأن ذلك ينكشف له في حاله ، فقد رأينا أنه يقرر استحالة تجلي الحق في الوحدة ، وإنما يعتبر القول بالوحدة الوجودية أولية من أوليات العقل غنية عن الدليل . أما التجربة الصوفية فحال تتحقق فيها ذوقاً بوحدتك الذاتية مع الحق . فالقضية الأولى والأساسية في مذهبه هي أن الوجود كله واحد وهو وجود الحق . أما إذا ذكرت أنك تشاهد الحق أو تتحد به أو تفنى عن نفسك فيه ، أو ما شاكل ذلك من العبارات ، فإنك واقع لا محالة في الاثنينية . وما دام الناس يتكلمون عن الحق ويصفونه ، ويتكلمون عن أنفسهم وعن إدراكهم للحق ، فهم اثنينيون ، ولكن الشعور باثنينية الذات المدركة والموضوع المدرَك شيء ، والقول باثنينيتهما شيء آخر . وابن عربي إن سلَّم بالأول لا يسلم بالثاني . ثم هو يوضح استحالة تجلي الحق في الأحدية بما لا مزيد عليه في العبارة التالية فيقول : إن نظرت الحق به أي إن اعتبرت وجودك هو وجود الحق وأسقطت وجودك الخاص ، كان الحق هو الناظر لنفسه وكان حكمك لا معنى له . وإن اعتبرت الوجودين - وهو معنى قوله وإن نظرته بك - زالت الأحدية . وكذلك إذا اعتبرت الوجودين - وجوده ووجودك - وقلت إنك نظرته بك ، ثم به ( في حال فنائك فيه ) وهو معنى قوله : « وإن نظرته به وبك » زالت الأحدية أيضاً . قارن ذلك بالتعليق الثاني عشر في الفص الأول ، والتعليق العاشر في الفص السادس . ( 6 ) « فَفَضَل إسماعيل غيره من الأعيان . . . إلى قوله جنتي التي بها سِتْري » .