ابن عربي

83

فصوص الحكم

ومن يتقي الله بهذا المعنى ليس هو من يخاف الله ، بل هو الذي يتخذ الله وقاية له : أي يعتبر الذات الإلهية وقاية وحماية لصورته الانسانية ، وبذلك يفرِّق ( من الفرقان ) بين الناحيتين اللتين فيه وهما ناحية اللاهوت وناحية الناسوت . هذا هو مقام الفرقان . أما مقام « القرآن » فليس فيه هذا التمييز أو هذه التفرقة . غير أن « الفرقان » قد يحصل قبل دخول الصوفي في حال الفناء ( وهي حال القرآن ) وقد يحصل بعد خروجه منها . أما إذا فرّق بين لاهوته وناسوته قبل الفناء فهو جاهل بوحدته الذاتية مع الحق : أي جاهل بالوحدة التي لا انفصام لها بين اللاهوت والناسوت . وأما إذا فرَّق بعد الفناء فلعلمه بأن الحق والخلق ( اللاهوت والناسوت ) ولو أن بينهما اتحاداً ذاتياً - كما دلت عليه حال الفناء . - إلا أن الخلق متميز من الحق امتياز الصورة من الجوهر الذي هي صورة له . وهذا ما دلّ عليه حال « البقاء » . هذا « فرقان » أيضاً ولكنه « فرقان » بعد « قرآن » أو هو كما يقول الصوفية « بقاء بعد فناء » أو « صحو بعد محو » . قال ابن الفارض في تائيته : وفي الصحو بعد المحو لم أكُ غيرها * وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلت ( 10 ) « فوقتاً يكون العبد رباً بلا شك » الأبيات . نشرح هذه الأبيات جهتي الحق والخلق في الإنسان وهما الجهتان اللتان يعبر عنهما أحياناً باسم اللاهوت والناسوت وأحياناً باسم الربوبية والعبودية . وقد سبق أن ذكرنا أنهما جهتان اعتباريتان لحقيقة واحدة وأن لا ثنوية في مذهب ابن عربي . فبأحد الاعتبارين نستطيع أن نقول إن الإنسان عبد لربه ، وبالاعتبار الآخر نستطيع أن نقول إنه هو الرب . فهو عبد في مقام الفرق أو الفرقان ، وربّ في مقام الجمع أو القرآن كما قدمنا . وفي المقام الأول لا يتحقق العبد من اتحاده الذاتي بربه : فهو لا يزال يفرّق بين عبوديته وربوبية الرب ، مع أن اللاهوت جزء من حقيقته كالناسوت تماماً وإن كان لا يعرف ذلك . وهذا هو