ابن عربي

67

فصوص الحكم

فبِه عرفوني » وهو الحديث الذي يشير إليه البيت السادس من هذه الأبيات . أما قوله فأعلمه فأوجده فالإشارة ليست إلى الذات الإلهية التي هي فوق كل علم وكل إدراك ، بل إلى إله المعتقدات وهو الحق مصوَّراً في كل نفس بصورة معتقد هذه النفس وبحسب علم كل معتقد . فالإنسان لا يخلق الله وإنما يخلق إله معتقده : ولهذا قال « فأعلمه فأوجده » أي فأعلم الحق بحسب ما يتجلى لي من أسمائه وصفاته في صور الكائنات فأخلق من ذلك إلهاً أعتقد فيه وأعبده . وهذا معنى قوله في موضع آخر : « فا لله عبارة لمن فهم الإشارة » ومعنى قوله « فنحن جعلناه بمألوهيتنا إلهاً » . هذا هو الحق المخلوق ، وهو الحق المتغير في صور المعتقدات . « وحقّق في مقصده » أي وحقّق في مقصده من الخلق ، لأن العلة الغائية من الخلق هي أن يعرف الله كما سبق أن ذكرنا . وقد تحقّقت هذه الغاية في الإنسان خاصة لأن الإنسان - لا سيما الإنسان الكامل - هو الذي يعرف الحق المعرفة الكاملة . ( 9 ) « ولما كان للخليل هذه المرتبة . . وجعله ابن مَسَرَّة مع ميكائيل للأرزاق » . جواب « لما » سنَّ القِرى : وقوله لذلك متعلق بالفعل سنَّ : فالجملة تقرأ هكذا « ولما كان للخليل هذه المرتبة التي بها سُمِّي خليلًا ، سنَّ القِرى لذلك » . والمراد بالمرتبة أي مرتبة العرفان أو مرتبة الإنسان الكامل الظاهر فيه الحق بأكمل صوره ، المغذِّي لذات الحق بجميع صفات الكمال الوجودية . يقول « ولذلك سن القرى » والقرى الضيافة وفيه يقدّم الغذاء للمضيفين : وليس إبراهيم وحده هو الذي يقدِّم « الغذاء » للحق : أي ليس وحده هو الذي يغذي الذات الإلهية بإظهار أحكامها فإن المؤلف يقول : إذا شاء الإله يريد رزقاً * له فالكون أجمعه غذاء ولكن إبراهيم وأمثال إبراهيم من الكمل يقدمون ذلك الغذاء على الوجه الأكمل . أما قوله « وجعله ابن مسرة مع ميكائيل للأرزاق » فوارد شرحه بالتفصيل في كتاب الفتوحات المكية ( ج 1 ص 191 ) في وصف العرش وحَمَلَتِه . وهو