ابن عربي

60

فصوص الحكم

الكرم أو نحوها من الصفات التي اصطلح على نسبتها عادة إلى الله . ( 3 ) « ثم إن الذات لو تعرّت عن هذه النسب لم تكن إلهاً . . فيتميز بعضنا عن بعض » . يفرق ابن عربي بين الذات الإلهية المعرّاة عن كل نسبة وجودية ، المجردة من أية علاقة زمانية بالوجود الخارجي ، البعيدة عن متناول الإدراك ، وبين الذات الإلهية المتصفة بالألوهية : أي بين « الواحد » والله . أما الذات المجردة فليست إلهاً ، لأن الألوهية تقتضي المألوهية ولا معنى لها ولا وجود بدونها : فالحق الوهّاب يفترض الخلق الموهوب ، والحق الرحيم يفترض الخلق المرحوم وهكذا . وهذا معنى قوله : « فنحن جعلناه بمألوهيتنا إلهاً » . ولا تعرف الألوهية وصفاتها إلا إذا عرفت المألوهية وصفاتها وهذا هو معنى قوله : « من عرف نفسه عرف ربه » أي من عرف عبوديته عرف ربوبية الرب . ولو أن مدعياً ادعى أن في الإمكان أن يعرف « الله » من غير نظر في العالم - كما ذهب إليه بعض الحكماء وأبو حامد الغزالي ، لأجابه ابن عربي بقوله : ليس من المستحيل أن يصل العقل عن طريق النظر الصرف إلى افتراض وجود موجود واجب الوجود : خارج عن حدود الزمان والمكان : أزلي قديم إلخ . . غير أن هذا الموجود إذا جردته عن جميع الصفات والأسماء التي يتكوّن منها مفهوم الألوهية لا يكون إلهاً . وقد برهن أرسطو على وجود محرك أول لأنه رأى أن الحركة لا يمكن أن تذهب إلى غير نهاية ، وبرهن فلاسفة المسلمين على وجوب واجب الوجود ، ولكن لا المحرك الأول الذي أثبته أرسطو ولا واجب الوجود - إذا قرر وجوده بعيداً عن العالم ونسبه - بإله بالمعنى الديني . هذه أدلة قد ترضي الفلاسفة أو غير الإلهيين : أما الإلهيون فلا يقنعون بها . تتوقف فكرة الألوهية إذن - في نظره - على التأمل في المخلوقات ، بما في