ابن عربي
57
فصوص الحكم
الفص الخامس ( 1 ) الحكمة المُهَيَّميَّة وإبراهيم . كلمة مُهيَّمِيَّة مشتقة من الهيام أو الهيمان وهو الإفراط في العشق ، وقد نسبت الحكمة المهيمية إلى إبراهيم لأن الله تعالى نص على اتخاذه خليلًا في قوله : « واتَّخَذَ الله إِبْراهِيمَ خَلِيلًا » ، والخليل المحب المفرط في محبته المخلص لمحبوبه . هذا هو لسان الظاهر كما يقولون ، ولكننا إذا ما قرأنا الفص الإبراهيمي وأدركنا مرامي المؤلف فيه ، وجدنا معاني أخرى لإبراهيم والخليل والهيمان ، وأنها مجرد رموز قصد بها ما وراءها . وليس هناك من شك في أن اسم إبراهيم لم يستعمل علماً على النبي المعروف ، وإنما رُمز به لنوع الإنسان الكامل الذي يعتبر جميع الأنبياء والرسل والأولياء أفراداً له . والإنسان الكامل في مذهب صاحبنا هو المجلي التام الشامل لجميع الأسماء والصفات الإلهية ، أو هو المجلى الكامل للحق على ما قررنا آنفاً . وإنما اختير إبراهيم ليقوم بهذا الدور هنا لمجرد الإشارة إليه بأنه خليل الله ، والخليل إذا أخذت لا على أنها من الخُلَّة أي الصداقة ، بل على أنها من التخلل وهو السريان - وهذا بالضبط ما يفعله المؤلف - فهمنا لِمَ اعتبر إبراهيم مثالًا أعلى من أمثلة الإنسان الكامل . وأي مجلى من مجالي الحق أحق بأن يوصف بالكمال من الإنسان الكامل الذي سرى فيه الحق وتخلل جميع قواه وجوارحه فأظهر بذلك جميع كمالات الصفات والأسماء الإلهية . إن سريان الحق في صور الموجودات جميعها أمر تقتضيه طبيعة مذهب ابن عربي في وحدة الوجود - وقد أشرنا إلى ذلك من قبل - ولكنه يريد أن يبين هنا أن هذا السريان - أو هذا التخلل - يتفاوت في الموجودات في الدرجة بحسب ما يتجلى في كل منها من الصفات والأسماء الإلهية .