ابن عربي
51
فصوص الحكم
وابن عربي أشد ما يكون جرأة وأقرب ما يكون إلى القول بوحدة الوجود المادية حيث يقول : « فهو ( أي الحق ) ظاهر لنفسه باطن عنه ، وهو المسمى أبا سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات » . أما قوله « وهو عين ما بطن في حال ظهوره » فمعناه أن الحق إذا ظهر في صورة من صور الوجود كان عين ما بطن وعين ما ظهر من ذلك الشيء الذي ظهر بصورته ، لأن الظهور والبطون أمران اعتباريان بالنسبة إلينا في حال نظرنا إلى الأشياء . أما فيما يتعلق بالحق فلا ناظر ولا منظور فالحق ظاهر . بنفس المعنى الذي هو باطن ، وهو باطن بنفس المعنى الذي هو ظاهر . وكذلك الحال في صفات الأضداد الأخرى التي وصف الحق بها نفسه . ( 6 ) « فاختلطت الأمور وظهرت الأعداد بالواحد » . سبق أن أشرنا إلى التمثيل بالمرآة والصور في شرح العلاقة بين الحق والخلق أو الواحد والكثرة ، وهنا يشرح المؤلف نفس هذه العلاقة بتمثيل آخر هو التمثيل بالواحد والأعداد . فالموازاة تامة في نظره بين الواحد الحسابي والأعداد المتفرعة عن الواحد والمعدودات ، وبين الذات الإلهية والأسماء ( أو أعيان الأسماء التي هي الأعيان الثابتة ) والموجودات الخارجية في العالم . وكما أن الواحد الحسابي أصل جميع الأعداد لأن الأعداد ليست سوى مظاهر أو صور أو درجات فيه ، كذلك الكثرة الوجودية ليست سوى مظاهر أو صور للذات الواحدة . ولكن الأعداد حقائق معقولة لا وجود لها إلا في الذهن ، فإذا وصفناها بالوجود الخارجي ، وجب أن يكون ذلك من أجل وجودها في المعدودات . كذلك الحال في الذات الواحدة والأعيان الثابتة والموجودات الخارجية . فظهور الذات في صور الأعيان الثابتة هو ظهور لها في صور معقولة صرفة ليس لها وجود عيني خارجي . فإذا وصفنا هذه الأعيان الثابتة بالوجود ، وجب أن يكون ذلك من أجل وجودها في صور الموجودات الخارجية .