ابن عربي

3

فصوص الحكم

فاتحة الكتاب ( 1 ) « الحمد لله منزِّل الحكم على قلوب الكَلِم . . . - إلى قوله - وسلم » . الحكمة هي العلم بحقائق الأشياء والعمل بمقتضاها ، فلها إذن ناحيتان : ناحية نظرية وأخرى عملية ، وهي بهذا المعنى مرادفة للفلسفة بقسميها النظري والعملي . وعلى هذا التعريف تكون الحكمة أعم من « العلم » الذي هو إدراك حقائق الأشياء على ما هي عليه ، أو محاولة ذلك الإدراك ، وأعم من « المعرفة » كذلك . هذا هو المعنى الاصطلاحي الشائع لكلمة الحكمة . ولكن الصوفية منذ عصر مبكر استعملوا الحكمة في معنى خاص يتفق من ناحية مع مدلولها الفلسفي ويختلف من ناحية أخرى عندما ننظر إليه في ضوء نظريتهم العامة في طبيعة المعرفة الإنسانية وطرق تحصيلها . ذلك أنهم قابلوا بين « الحكمة » و « الكتاب » مستندين إلى الآية الكريمة « كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا ويُزَكِّيكُمْ ويُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ » ( س 2 آية 151 ) وقالوا إن المراد بالكتاب تعاليم الدين الخاصة بالشرائع والأحكام ، أو ما سموه أحياناً « العلم الظاهر » ، والمراد بالحكمة التعاليم الباطنية التي اختص بها الرسول صلى الله عليه وسلم وورثها ورثته من بعده ، وأطلقوا على ذلك اسم العلم الباطن . وليس العلم الباطن عندهم سوى علم الطريق الصوفي وما ينكشف للصوفية من حقائق الأشياء ومعاني الغيب . فكأنهم بذلك وجدوا أساساً لطريقتهم في نصوص القرآن نفسه ، كما نسبوا علم هذه الطريقة إلى النبي وعدوا أنفسهم ورثة هذا العلم الحافظين له المختصين به . ولا يختلف ابن عربي عن غيره من الصوفية في استعمال كلمة الحكمة - التي يوردها في عنوان كل فص من فصوص كتابه - إلا في أنه يرى أنها الإرث الباطني الذي ورثه جميع الأنبياء والأولياء لا عن النبي محمد بل عن الحقيقة المحمدية ، أو أنها العلم الذي أخذه هؤلاء جميعاً من مشكاة النبي . وهو لا يشير إلى الأنبياء