ابن عربي

46

فصوص الحكم

ويبحث هذا الفص في بعض نواحي المسألة الكبرى التي بحث فيها الفص السابق ، أعني مسألة التنزيه الإلهي ، ولذلك سمي بالحكمة القدوسية في حين سمي سابقة بالحكمة السبُّوحية : والقدوس والسبُوح من أسماء الله ومعناهما المنزه ، وإن كانوا يقولون إن القدوس أخص في معنى التنزيه من السبّوح وأبلغ : إذ التسبيح تنزيه الله عن الشريك وعن صفات النقص كالعجز وأمثاله ، في حين أن التقديس تنزيه الله عما سبق وعن كل صفات الممكنات ولوازمها - حتى كمالاتها - وعن كل ما يتوهم ويتعقل في حقه تعالى من الأحكام الموجبة للتحديد والتقييد . بعبارة أخرى التقديس هو نهاية التجريد ، ولا يقول به إلا النفوس المجردة التي لا صلة لها بالعلائق المادية . ولذلك نسب في هذا الفص إلى إدريس ، وهو النبي الذي رفعه الله إلى السماء بعد أن خلع عنه بدنه وقطع علاقته بالعالم المادي كما تقول بذلك الأخبار . والفرق بين تنزيه نوح وتنزيه إدريس أن تنزيه الأول عقلي وتنزيه الثاني ذوقي . والذي لا شك فيه عندي أن ابن عربي لا يذكر نوحاً أو إدريس أو غيرهما من الأنبياء ، على أنها شخصيات تاريخية حقيقية ، ولا يصورها لنا التصوير الذي نعرفه في القرآن أو غيره من الكتب المقدسة ، وإنما هي مثل يضربها وأدوات يستخدمها في شرح أجزاء مذهبه . فليس نوح عنده إلا مثالًا للرجل الذي يقول بتنزيه الله تعالى متبعاً في ذلك مجرد العقل ، غير ناظر إلى ما ورد في القرآن من آيات التشبيه ، وغير مؤمن بأن للحق صوراً ومجالي في الوجود العالمي . وليس إدريس عنده كذلك إلا مثالًا لما يمكن أن تكون عليه النفس المجردة في موقفها من الله . وهذه النفس - إن وجدت - لا يمكن أن تقف من الله إلا موقف التقديس بالمعنى الذي شرحناه . ( 2 ) العلو : ومن لوازم القول بالتقديس وصف الله بالعلو : وهو وصف ورد في القرآن