ابن عربي

42

فصوص الحكم

هذا هو الاصطلاح العام ، أما اصطلاح ابن عربي الخاص فالرب هو الحق في صفة من صفاته . ولهذا يطلق على الأسماء الإلهية اسم الأرباب . أما الله فاسم يطلق على الذات العلية متصفة بجميع الصفات . وعلى هذا التعريف يفرق بين الربوبية والألوهية فيقول إن الألوهية دائمة التلوين - أي دائمة التغير لأن الله دائم التجلي في الصور . أما الربوبية التي لكل اسم من الأسماء الإلهية فثابتة له لا تتغير . ولهذا وجب علينا في السؤال أن ندعو الله باسم خاص يتصل بقضاء حاجاتنا . فيجب على المريض مثلًا أن يدعوه باسم الشافي ، وعلى المذنب أن يدعوه باسم العفوّ أو الغفور ، وعلى المحتاج أن يدعوه باسم المعطي وهكذا . « فثبوت التلوين » إذن من صفات الله الرب ، لا من صفات الله إطلاقاً . والمراد بالتلوين هنا الحال . وهذا الجُزء من الفص رمزي إلى أقصى حد . وقد أشار المؤلف إلى بعض معاني ألفاظه ، وبيّن أنه يستعملها في غير ما وضعت له عادة ، ولكن المعنى الإجمالي لا يزال غامضاً . لذلك أردنا تلخيصه ليعطي الصورة المرادة منه . كان قوم نوح عبدة أوثان ، فدعاهم إلى عبادة إله واحد منزه عن صفات المحدثات . ولكنهم أعرضوا عن دعوته لأنهم كانوا محجوبين عن الحقيقة المطلقة - الله - بمعبوداتهم التي لم تكن في واقع الأمر سوى مجالي أسماء الله . فدعا عليهم نوح بالهلاك والدمار بقوله : « لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ من الْكافِرِينَ دَيَّاراً » . ومعنى هذا في أسلوب المؤلف الرمزي أنه دعا الله أن يحرر هؤلاء القوم من قيود الوثنية التي تحصر « الحق » في هذا المجلى أو ذلك « وأن يمن عليهم بشهوده في كل مجلى معبود أو غير معبود . فكأنه دعا عليهم بالفناء الصوفي - لا بالدمار والهلاك . دعا عليهم بفناء الحجب لتنكشف لهم الحقيقة في إطلاقها . وقال : « إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ » أي إن تتركهم وشأنهم أوقعوا الحيرة في قلوب الناس - وهي الحيرة المحمدية التي أشرنا إليها - بأن يدلوهم على ما في نشأتهم من عبودية وربوبية ، وما فيها من خَلْقية وحقية . وهذه هي الحيرة التي